مقالات

*مأزق الإرادة الوطنية بين تكتيكات الفنادق ومساعي الشرعنة القانونية: تفنيد لأطروحات لما يُسمى بــ «صمود» ومقاربة نبيل أديب* ✍️ د. ميادة كمال الدين- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة Tokat Gaziosmanpaşa Üniversitesi –Tokat– تركيا

📌 *مأزق الإرادة الوطنية بين تكتيكات الفنادق ومساعي الشرعنة القانونية: تفنيد لأطروحات لما يُسمى بــ «صمود» ومقاربة نبيل أديب*
✍️ د. ميادة كمال الدين- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة Tokat Gaziosmanpaşa Üniversitesi –Tokat– تركيا 📧 mayada.kamaleldeen@gop.edu.tr
يكشف المشهد السياسي السوداني الراهن عن تحدٍّ بنيوي خطير يتداخل فيه وهج النصر العسكري الساحق مع محاولات الالتفاف السيادي والقانوني؛ فبينما يسطر أبطال الجيش السوداني والمقاومة الشعبية ملاحم العزة في محاور كردفان والنيل الأزرق ودارفور، تخرج علينا أصوات التكتيكات المعزولة لتثبت انفصاماً حاداً عن هذا الخندق الشعبي. إن القراءة التشريحية العميقة لما يُسمى تحالف «صمود» (قحت سابقاً)، بالتزامن مع الطروحات القانونية التبريرية التي ساقها الخبير نبيل أديب مؤخراً، تؤكد أننا أمام محاولة ممنهجة لفرض “عقيدة الانهزام المتخيل” وتقديم تنازلات مجانية للخصوم في اللحظة التي تفرض فيها الدولة هيبتها بمنطق المنتصر الممسك بزمام المبادرة الميدانية.
🔴*1. المراهقة السياسية لـ «صمود»: الارتماء في أحضان الخارج وعقدة الانهزام أمام انتصارات الميدان*
يكشف البيان الأخير لما يُسمى تحالف «صمود» (قحت سابقاً) الصادر عبر صحيفة “سودان تربيون”، عن حالة مستعصية من المراهقة السياسية والانفصام التام عن الواقع السوداني، حيث سارع قادة هذا الكيان المعزول إلى رفض دعوة الحوار الوطني الشامل التي أطلقها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمناسبة العيد الـ 72 للجيش، واصفين إياها بـ “شرعنة سلطة الجيش.
إن هذا الموقف المأزوم يضع هذه النخب في فخ تناقض مخزٍ، فهم الذين يتباكون يوماً تلو الآخر على “التحول المدني والديمقراطية”، يرفضون اليوم وبشكل قاطع حواراً سودانياً-سودانياً خالصاً يُعقد داخل حدود الوطن وبملكيتها المستقلة، في حين يهرعون دون حياء للارتماء في أحضان العواصم الخارجية (كأديس أبابا وبرلين) لاستجداء صفقات المحاصصة الهشة وإملاءات محاور الوصاية الدولية.
🟢* *2.* *جيش منتصر ونخبة تعيش “الانهزام المتخيل”**
المفارقة الصارخة التي تعمي أبصار من هم على رأس «صمود» هي التوقيت الإستراتيجي، فالخطاب السياسي للبرهان جاء مدعوماً بزئير المدافع وانتصارات ساحقة تسطرها القوات المسلحة ، القوات المتحالفة معها والمقاومة الشعبية الباسلة في محاور كردفان والنيل الأزرق، وتقدمها الثابت لتطهير ولايات دارفور وكسر شوكة التمرد في تلك المحاور. الجيش اليوم يتحرك بعقيدة المنتصر الممسك بزمام المبادرة الميدانية، بينما تتحرك هذه المعارضة المأزومة بعقيدة “الانهزام المتخيل”، محاولةً فرض شروط استسلام سياسي عبر لافتة “الهدنة الإنسانية” والآلية الرباعية، لتمنح مليشيا آل دقلو الإرهابية طوق نجاة دولي والتقاط الأنفاس بعد أن حُسم أمرها في الميدان.
🔵*3. واجهات الفنادق لا يُؤتمن لها على وطن*
إن اشتراط الناطقين باسم هذا التكتل والمعبرين عنه عقد الحوار خارج السودان وبحضور الجيش بصفة “مراقب” فقط، هو دليل دامغ على أن هذه الأصوات الهاربة لا يُؤتمن لها على مصير أمة ولا على كرامة شعب. القوات المسلحة السودانية ليست حزباً سياسياً يُساوم على حصته، بل هي العمود الفقري لسيادة الدولة وكينونتها، ومحاولة عزلها أو تحجيم دورها السيادي في مرحلة التأسيس هو تماهٍ صريح مع مشاريع تفكيك السودان. إن قطار الوعي الشعبي قد تجاوز تماماً هذه الوجوه المأزومة، فالشرعية لا تُستجدى من تأييد الاتحاد الأفريقي أو الإجازات الخارجية، بل تُنتزع من خنادق العزة وصمود المواطن في الداخل.
🟣* *4. مأزق الفقه التقليدي: تفنيد مقاربة نبيل أديب لتسويغ التنازلات* *
في ذات السياق الإستراتيجي المأزوم، يطل علينا الخبير القانوني نبيل أديب عبر تصريحاته الأخيرة ليحاول إضفاء غطاء شرعي ودستوري على تراجعات الخطاب السيادي، معتبراً أن دعوة البرهان تفتح “بابين لإنهاء الحرب والحوار الشامل”، ومشدداً على ضرورة مشاركة معارضة الخارج. إن هذه المقاربة القانونية التقليدية تسقط في فخ التماهي مع الضغوط الإقليمية والدولية، فكيف يستقيم منطق القانون حين يُطالب بجلوس واجهات تواجه بلاغات جنائية قائمة تحت مواد الخيانة العظمى وتقويض النظام الدستوري على طاولة حوار وطني قبل الامتثال لسلطان القضاء؟
إن محاولة تسويق “الحصانات الإجرائية” كأدوات لوجستية لتهيئة المناخ- كما يحاول أديب وغيره من مستشاري الغرف المغلقة تبريرها- هي التواء صريح على روح العدالة الجنائية. فالعدالة لا تؤجل من أجل التوازنات السياسية الهشة، و”الحق الخاص” للمواطنين السودانيين الضحايا الذين نُهبت ديارهم وهُتكت أعراضهم على يد مليشيا آل دقلوا ومن شايعهم ليس مادة للمساومة الدبلوماسية. وبالتالي إن دور النخب القانونية والسياسية والكتاب والاكاديميين الوطنيين اليوم هو تحصين كرامة الشعب وسند القوات المسلحة المنتصرة، وليس ابتكار مخارج إجرائية تمنح صكوك غفران لمن ارتهنوا لعواصم الوصاية الخارجية.
🟠 *5. السيادة القضائية وسقوط صكوك الغفران الصيفية*
بلغت المراهقة السياسية ذروتها في اعتراض أمثال مبارك الفاضل ومن هم في ما يسمى بـ صمود على أوامر التوقيف الجنائية الصادرة بحق المطلوبين عبر “الإنتربول” (كعبد الله حمدوك وغيره) بتهمة الخيانة العظمى والتعاون مع المليشيا الإرهابية. إن وصف هذه القرارات القضائية السيادية بأنها “غير دستورية” هو محاولة بائسة لإجهاض العدالة وشرعنة الإفلات من العقاب. وهنا نؤكد بالمنطق القانوني الصارم: ” *_الحق العام لا يسقط بالترضيات، والحق الخاص لدماء الشهداء والضحايا ليس هدايا في سوق المجاملات الدبلوماسية”_* . من يريد الحوار والمشاركة في مستقبل السودان، عليه أولاً امتلاك الشجاعة للمثول أمام القضاء السوداني المحترم لتبرئة ساحته، لا التترس خلف عواصم الخارج.
وعليه لقد أثبت الشارع السوداني الصامد من خلال رفضه الحاسم لهذه الاشتراطات بنسبة 99%، أن الحل والقرار لن يكون إلا في الداخل السوداني فقط ووفق شروط الدولة المنتصرة. يجب على القيادة العسكرية والسياسية ألا تلتفت لبكائيات الفنادق، وأن تمضي في إستراتيجية “الحسم السيادي الناجز”، فلا تأسيس لسودان المستقبل عبر بوابات صكوك الغفران المؤقتة، بل عبر بسط هيبة الدولة، وتطبيق القانون، وصون الكرامة الوطنية الشاملة.⏭️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى