مقالات

أقدار الله: من مظهر جديد للوجه إلى مظهر جديد للظهر* دكتور الواثق كمير يكتب

*أقدار الله: من مظهر جديد للوجه إلى مظهر جديد للظهر*
دكتور الواثق كمير
يكتب

الاصدقاء والأحباب
وصلت إلى تورونتو عصر الثلاثاء 22 سبتمبر، عائداً من القاهرة بعد إقامة طويلة امتدت منذ 5 مايو 2026، وبعد رحلة سفر مرهقة، وكانت زينب وراوية في البيت في انتظاري. وبعد نحو سبع ساعات فقط من الوصول، تعثرت في آخر درجات سلم الطابق السفلي وسقطت على ظهري.
والطابق السفلي الصغير، بالمناسبة، ليس مكاناً غريباً عني؛ فهو غرفة الجلوس التي أقضي فيها معظم أمسياتي، أشاهد فيها بعض المسلسلات المصرية مع زينب، ثم تصعد هي للنوم حوالي العاشرة، بينما أبقى أنا، كعادتي الليلية، أقرأ وأكتب وأكمل مقالاتي حتى وقت متأخر. لكن في تلك الليلة، *كانت آخر درجات السلم كافية لتغيّر مسار الأيام التالية كلها.*

نتج عن السقوط عدد من الكسور في عظام أسفل الظهر، وكان لابد من إجراء عملية عاجلة لتثبيت الفقرات، وهي ما يُعرف طبياً بعملية الدمج أو التثبيت الفقري (Spinal Fusion). وباختصار، تقوم العملية على تثبيت الفقرات المصابة وربطها ببعضها حتى تستقر وتلتئم، مع إزالة أي ضغط محتمل على الحبل الشوكي أو الأعصاب.

وبحمد الله تمت العملية بنجاح مساء الخميس في مركز صنيبروك للعلوم الصحية في تورونتو (Sunnybrook Health Sciences Centre)، على يد أحد أبرز جراحي العمود الفقري في كندا، وهو ما منحني وأسرتي قدراً كبيراً من الطمأنينة في لحظة كانت بالغة الصعوبة.

لكن الطريق إلى العملية كان تجربة قائمة بذاتها. فقد أمضيت يومين تقريباً على سرير متحرك (نقالة) في قسم الطوارئ بسبب الازدحام الشديد وعدم توفر سرير في إحدى الغرف. وبعد العملية نُقلت إلى *غرفة الإفاقة* (Recovery Room)، التي يفترض عادة أن يمكث فيها المريض بضع ساعات فقط قبل نقله إلى جناح الإقامة. لكن لأنني كنت أصلاً قادماً من قسم الطوارئ، وليس من غرفة داخل المستشفى، فقد بقيت هناك يومين كاملين آخرين، إلى أن توفر لي أخيراً سرير في غرفة أشاركها مع مريضين آخرين.

ولا أستطيع أن أتحدث عن هذه التجربة من غير أن أسجل، بامتنان عميق، ما وجدته من معاملة إنسانية واهتمام ورعاية من كل من تعامل معي في المستشفى: من الأطباء والجراحين، إلى المختصين، إلى الممرضات والممرضين، إلى فرق العلاج والتأهيل وكل من مرّ على سريري في هذه الأيام. كان هناك قدر لافت من المهنية، والصبر، واللطف، والانتباه إلى التفاصيل الصغيرة، والحرص على أن أشعر بالأمان والاحترام في لحظة كنت فيها في أشد حالات الضعف والألم.

والمدهش أيضاً أن كل هذه الرعاية، بكل ما فيها من فحوصات وتصوير وجراحة وإقامة وعناية وتأهيل، تمت من غير أن تمتد يد إلى جيبي مرة واحدة. كل ما طُلب مني منذ البداية كان بطاقة الصحة الحكومية (Health Card). وفي لحظة كهذه يدرك الإنسان، بصورة عملية لا نظرية، قيمة أن يجد العلاج حين يحتاج إليه من غير أن يكون أول سؤال يواجهه: كم تستطيع أن تدفع؟

وهذه في حد ذاتها تجربة جديدة تماماً بالنسبة لي. فأنا أقترب من السادسة والسبعين، وهذه أول رحلة حقيقية لي في عالم المستشفيات. ولذلك وجدت نفسي، رغم الألم وصعوبة الحركة، أعيش التجربة بعينين في وقت واحد: عين المريض، وعين *المراقب المشارك*. خصوصاً في غرفة الإفاقة، حيث شاهدت ما يكفي من التفاصيل البشرية والمهنية والتنظيمية، وحتى ما يمكن أن أسميه بشيء من المزاح والجد معاً *”سياسة المستشفى”*، لأقول إن هذه التجربة ربما تستحق مقالاً كاملاً في وقت لاحق.

والمفارقة أنني، وسط هذا الوضع الصعب والألم الفظيع الملازم لي، وجدت أن المستشفى أهداني أيضاً شيئاً لم أكن أتوقعه: وقتاً إجبارياً للقراءة والكتابة. وهكذا، وأنا أعيش تقريباً حالة حرب مع ظهري وحركتي والألم، وجدت نفسي أراجع وأكمل مسودات وتعقيبات على بعض المقالات المنشورة التي كانت تنتظر مني رداً أو متابعة. يبدو أن الكاتب لا يُعفى من الكتابة حتى وهو على سرير المستشفى! 😅
وبدلاً من أن أحصل هذه المرة على *مظهر جديد للوجه*، وجدت نفسي فجأة وقد حصلت على *مظهر جديد للظهر!* 😅😅

أما أكثر ما هزني في هذه التجربة، وربما أكثر مما توقعت، فهو حجم المحبة والاهتمام الذي أحاطني من كل مكان. اتصالات ورسائل من الأهل والأصدقاء؛ بعضهم سألني مباشرة، وبعضهم تابع حالتي عن طريق زينب، بالتلفون والواتساب، وبعضهم أصر على زيارتي في المستشفى.

وقد جاءتني الاتصالات والرسائل من كل فج عميق ومن أصقاع الدنيا المختلفة، إلى درجة أنني في لحظات كثيرة لم أتمالك دموعي. بعض الأصدقاء تداولوا خبر الحادث فيما بينهم وطلبوا الدعاء لي، وآخرون أرسلوا كلمات من نوع: “ألف سلامة”، و”عاجل الشفاء”، و”ربنا يقومك بالسلامة”، ودعوات صادقة بالعافية والحفظ. مثل هذه الكلمات قد تبدو بسيطة حين تُقرأ منفردة، لكنها حين تتقاطر بهذا العدد، وفي لحظة ضعف وألم، يكون وقعها مختلفاً تماماً.

وكنت دائماً أقول لأصدقائي، على سبيل المزاح، إن الإنسان ربما لا يعرف على وجه اليقين مقدار ما يكنّه له الناس من حب أو كراهية إلا إذا استطاع، بطريقة ما، أن يحضر مشهد وفاته ويراقب بنفسه ردود أفعالهم! 😅 لكن يبدو أن الله أراد أن يوفر عليّ انتظار ذلك اليوم، فكشف لي وأنا حي مقداراً من المحبة لم أكن أتصوره، من خلال هذا السيل من السؤال والدعاء والرسائل والاتصالات، ومن خلال الاهتمام الصادق بصحتي من أناس قريبين وبعيدين، بعضهم لم ألتقِ به منذ سنوات، بل لا اعرفهم شخصيا.

وكان ذلك، في حد ذاته، واحداً من أكثر جوانب هذه المحنة تأثيراً في نفسي.
ولهذا أرجو من الجميع أن يعذروني إذا لم أتمكن من الرد مباشرة على هذا العدد الهائل من الاتصالات التي لم تتوقف على هاتفي وعلى هاتف زينب، وعلى سيل الرسائل التي ظلت تصل تباعاً. لم يكن ذلك تجاهلاً لأحد، وإنما لأن حالتي الصحية والألم والإجراءات الطبية لم تترك لي القدرة على مجاراة كل هذا الحب كما كنت أتمنى. وقد وصلني، صدقوني، كل سؤال وكل دعاء وكل كلمة طيبة، وكان لها أثر بالغ في نفسي.
وهذه وحدها نعمة كبيرة.
ما زلت في المستشفى الآن، في مرحلة التعافي وإعادة التأهيل، إلى أن أستطيع المشي بصورة أكثر ثباتاً وأماناً. والحمد لله أن العملية نجحت، وأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
لكل من سأل، واتصل، وكتب، ودعا، وزار، أو حمل لي كلمة طيبة عن طريق زينب: شكراً من أعماق القلب. لقد عرفت في هذه الأيام مقدار ما للإنسان من رصيد لا يُقاس إلا في اللحظات الصعبة.
*الله قدّر ولطف، وما شاء فعل*.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى