لابد من إستراتيجية وطنية لإنقاذ مشردي السودان و تحويل التحدي الأمني إلى قوة إنتاجية* الشاذلي المادح

**لابد من إستراتيجية وطنية لإنقاذ مشردي السودان و تحويل التحدي الأمني إلى قوة إنتاجية*
الشاذلي المادح
تتحول قضية المشردين و أطفال الشوارع في السودان بمرور الوقت من أزمة إنسانية و اجتماعية عابرة إلى مهدد حقيقي و مباشر للأمن القومي و السلم المجتمعي .. إن ترك هذه الفئات العريضة من الشباب و الأطفال بلا مأوى أو رعاية في ظل الظروف الإستثنائية والحرب المستمرة التي تشهدها البلاد، يجعلهم صيداً سهلاً و شبه مجاني لشبكات الجريمة المنظمة و وقوداً أساسياً لتجارة و ترويج المخدرات الرخيصة و الأخطر من ذلك أن غياب الحاضنة الأسرية و فقدان الهوية و الانتماء إلى جانب الحاجة المادية الطاحنة و العيش في بيئة الشارع القاسية يضع هؤلاء الضحايا كخزان بشري جاهز للإستقطاب من قبل المليشيات المتمردة و الجماعات المسلحة ليتم تجنيدهم كمرتزقة في صفوفها للمشاركة في أعمال القتال و النهب مستغلين تفكك روابطهم الإجتماعية و غياب من يحميهم أو يسأل عنهم .
و تعكس الأرقام و الإحصاءات المحلية و العالمية حجم الكارثة بوضوح .. ففي بلادنا تشير التقديرات الميدانية غير الرسمية إلى أن أعداد المشردين في ولاية الخرطوم وحدها تجاوزت 20,000 مشرد قبل الحرب و تضاعفت هذه الأعداد و توزعت و تصاعدت بشكل حاد في ولايات النزوح البديلة مثل ولايات نهر النيل و القضارف و النيل الأبيض و كسلا .. هذا التصاعد يغذيه رافد مرعب كشفت عنه تقارير منظمة اليونيسف يؤكد وجود أكثر من 8 ملايين طفل خارج التعليم في السودان حالياً بسبب ظروف الحرب و تدمير البنية التحتية التعليمية مما يجعلهم مرشحين بإمتياز للدخول في دائرة التشرد إذا لم يجرِ تدارك الوضع فوراً .. أما على الصعيد العالمي فإن أزمة التشرد تعد معضلة دولية حيث تشير تقارير منظمات تابعة للأمم المتحدة إلى وجود نحو 300 مليون شخص يعانون من التشرد المطلق بلا مأوى حول العالم و نحو 1.1 مليار إنسان يعيشون في عشوائيات و مستوطنات غير قانونية أو آمنة و تتصدر دول النزاعات و الحروب مثل سوريا و اليمن القوائم الدولية بملايين النازحين و المشردين داخلياً بينما لا تنجو حتى الدول المتقدمة من الأزمة إذ تسجل الولايات المتحدة الأمريكية قرابة 770,000 مشرد يجري التعامل معهم عبر شبكات الرعاية و الضمان الإجتماعي .
قدمت العديد من دول العالم تجارب ملهمة و ناجحة في مكافحة هذه الظاهرة بعيداً عن الحلول الأمنية حيث طبقت فنلندا إستراتيجية (السكن أولاً) (Housing First) التي تقوم على توفير شقة سكنية دائمية و مستقرة للمشرد دون أي شروط مسبقة (مثل التعافي من الإدمان أو إيجاد عمل) ثم تلاحقه فرق الدعم الإجتماعي و النفسي لعلاجه و دمجه داخل مسكنه و هي تجربة قضت بها فنلندا تماماً على ظاهرة النوم في الشوارع .. و في البرازيل جرى دمج المشردين في (الإقتصاد الأخضر) عبر تنظيمهم و تدريبهم في جمعيات رسمية مسؤولة عن تدوير النفايات الصلبة و إدارة البيئة مقابل أجور مجزية و تأمين صحي مما حولهم من عناصر مهددة للأمن إلى فئات منتجة و مساهمة في الإقتصاد المحلي .. أما في مصر، فتركزت التجربة على مبادرة (أطفال بلا مأوى) من خلال تسيير حافلات و وحدات متنقلة مجهزة طبياً و نفسياً تجوب أماكن تجمعات الأطفال لبناء الثقة معهم و تقديم الرعاية الأولية تمهيداً لنقلهم إلى دور رعاية متطورة لتعليمهم حرفاً و صناعات يدوية بالشراكة بين الدولة و المجتمع المدني .
و لصناعة تجربة إنسانية و مبدعة تحمي السودان يتطلب الوضع الراهن صياغة مشروع وطني قومي شامل تحت إسم (صنّاع الحياة) تقف خلفه مؤسسات الدولة السيادية و التنفيذية بالشراكة مع المجتمع المدني و القطاع الخاص و يقوم على أربعة مسارات إستراتيجية متكاملة : يبدأ المسار الأول بـ الإيواء الفوري و الآمن عبر إنشاء مجمعات سكنية مؤقتة و قرى رعاية متكاملة المرافق في الولايات المستقرة لانتشال هؤلاء الشباب و الأطفال من أرصفة الشوارع فوراً و توفير البيئة النظيفة لهم و يعقب ذلك المسار الثاني المعني بـ التأهيل الصحي و النفسي من خلال تأسيس مصحات علاجية داخل هذه المجمعات لعلاج حالات الإدمان (خاصة مخدرات السيليسيون و الآيس و غيرها) و إخضاعهم لبرامج دعم نفسي مكثف لتضميد جراح الشارع و تجاوز صدمات الحروب ثم يأتي المسار الثالث المتمثل في التدريب المهني و الإنضباطي المزدوج و يقسم إلى شقين : شق مدني لتعليمهم المهن الحيوية كالزراعة الحديثة و صيانة الأليات و الكهرباء و الحدادة و شق إنضباطي شبه عسكري يدمج الفئات العمرية المناسبة في برامج تدريبية منضبطة تحت إشراف القوات النظامية لإعادة غرس قيم المواطنة و الولاء و العقيدة الوطنية في نفوسهم ليتحولوا من مهددين للأمن و قنابل موقوتة إلى قوة رديفة تسهم في حفظ الأمن و الدفاع عن حياض الوطن و ثغوره . و أخيراً يكتمل المشروع بالمسار الرابع و هو الدمج الإقتصادي و الإستدامة عبر تأسيس شركات مساهمة تملكها الدولة و القطاع الخاص و تدير مشاريع زراعية و صناعية كبرى تعتمد على هؤلاء الشباب كقوة عاملة أساسية و تمنحهم أسهماً فيها مما يضمن لهم الدخل الكريم المستدام و يمنع إرتدادهم إلى حياة الرصيف و الجريمة مجدداً لنقدم للعالم تجربة سودانية فريدة تحول الضحايا إلى بناة حقيقيين للمستقبل .











