مقالات

الحق الخاص لا يسقط بالترضيات: منظومة العدالة السودانية في محك السيادة*

دكتورة ميادة كمال الدين

🚨_*الحق الخاص لا يسقط بالترضيات: منظومة العدالة السودانية في محك السيادة*_
*وهم العفو والمصالحة الهشة: محاولات شرعنة الإفلات من العقاب في السودان*
✍️ د. ميادة كمال الدين- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعات التركية
mayada.kamaleldeen@gop.edu.tr
لم تكن الحرب التي فرضت على الشعب السوداني منذ الخامس عشر من أبريل 2023 مجرد جولة أخرى من صراعات النخب على كراسي السلطة ومحاصصاتها، بل كانت وما زالت معركة وجودية تهدف إلى تجريف الدولة السودانية واقتلاع هويتها وسيادتها. ووسط هذا الوجع الممتد، وتشريد الملايين في معسكرات النزوح واللجوء، تفاجئنا بعض الوجوه السياسية بمحاولات بائسة لإعادة إنتاج منهج الفشل القديم، وإدارة مصير الوطن عبر صفقات “الغرف المغلقة” وتكتيكات “عفا الله عما سلف” التي أوردت البلاد مورد الهلاك.
إن ما جرى تداوله مؤخراً من تصريحات لبعض القيادات السياسية حول المطالبة بـ “عفو رئاسي شامل” يشمل شطب بلاغات الحق العام وتجميد أو إيقاف إجراءات الحق الخاص بحق السياسيين الملاحقين بتهم الخيانة العظمى، يمثل طعنة متجددة في خاصرة العدالة، واستخفافاً معيباً بوجع المواطن السوداني وضريبة الدم التي دفعها وما زال يدفعها صوناً لعِرضه وأرضه.
عن أي عفو يتحدث هؤلاء وفي أي ميزان قانوني أو شرعي توزن هذه المقترحات؟ إن القضاء في الدول المحترمة هو ركيزة السيادة، ومنظومة العدالة ليست بنداً مرناً في جدول المفاوضات أو “كرت طاولة” يُلعب به لإحراج الخصوم السياسيين أو استرضاء المحاور الإقليمية والدولية تحت لافتة “تهيئة المناخ الحقيقي للوار”. والأخطر من ذلك هو الالتفاف المفضوح حول “الحق الخاص” للمواطنين، إذ إن رئيس الدولة نفسه، بموجب القانون والدستور والشريعة، لا يملك الصلاحية الدستورية ولا الولاية الشرعية للتنازل أو التحفظ على حق مواطن نُهب بيته، أو انُتهك عرضه، أو قُتل أبناؤه بأيدي المليشيا المتمردة وحاضنتها السياسية. إن تأجيل العدالة أو تجميدها تحت أي مسمى هو إنكار صريح لها ومكافأة مباشرة لسياسة الإفلات من العقاب.
المفارقة الصادمة تكمن في “العدالة الانتقائية” التي تحاول هذه النخب تفصيلها بمقاس علاقاتها وتوازناتها؛ فيُطرح العفو لأطراف لأنهم “حلفاء اليوم”، ويُستثنى آخرون لأنهم “خصوم اليوم”. إن الجريمة ضد الوطن واحدة، والمحاسبة الصارمة يجب أن تطال كل من خان وتآمر وحمل السلاح أو وفّر غطاءً سياسياً للمجرمين منذ عام 1989 وحتى يومنا هذا دون فرز، ودون مجاملة لحزب أو تيار أو شلة سياسية.
وعلى الرغم من محاولات بعض الأقلام والمنصات تبرير هذه المحاولات، وتكميم الأصوات الوطنية التي تكشف المستور، إلا أن وعي الشارع السوداني وتماسك مؤسسات الرئاسة والقيادة العسكرية جاء كالصاعقة ليقطع الطريق على السماسرة. فالنفي القاطع الصادر عن مصادر سيادية رفيعة لمزاعم الموافقة على هذا العفو المعيب، أثبت أن القيادة تعي حجم التضحيات وأن دماء الشهداء ليست هدايا في سوق المجاملات الدبلوماسية.
إن المراهقة السياسية للنخب المعزولة في فنادق وعواصم الخارج، والتي تحاول رهن القرار الوطني لـ “المشاريع الخارجية” وجعل جيشنا الوطني المحارب في الخنادق مجرد “مراقب” في مؤتمرات المحاصصة، قد انتهت صلاحيتها تماماً في 15 أبريل. الشرعية الحقيقية والمشروعية الأخلاقية لأي سلطة في السودان لا تُستجدى من المحاور ولا تُشترى بالترضيات، بل تُصنع في الداخل بنصرة القوات المسلحة وبسط هيبة الدولة وتطبيق العدالة الناجزة.
ختاماً، يجب أن تعي هذه النخب أن قطار الوعي الشعبي قد تجاوزهم؛ فالشعب الذي صمد في وجه الإبادة والتشريد لن يقبل بركوب موجة تضحياته من أجل إعادة إنتاج نظام المحاصصات الهش. المخرج الوحيد للسودان هو الخضوع الكامل لسلطان القانون، والمحاسبة الشاملة لكل خائن ومخرب، وبناء دولة المؤسسات الرصينة. أما صفقات صكوك الغفران الصيفية فقد ماتت وشبعت موت، ولن تسقط الحقوق بالتقادم أو بالمساومة. “إنتهي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى