رصاصة البرهان… وغضب رئيس الوزراء كتب: محمد عثمان الرضي

رصاصة البرهان… وغضب رئيس الوزراء
كتب: محمد عثمان الرضي
✦ المفارقة الأكثر صدمة أنني دخلت لقاء البرهان وأنا أظن أن الرجل كان قاسياً على حكومة كامل إدريس، وخرجت من لقاء رئيس الوزراء بعد ساعات وأنا أتساءل: هل كان البرهان قاسياً فعلاً؟ أم أن طريقة الدفاع عن الحكومة كانت أقسى من النقد نفسه؟
✦ في القيادة العامة للجيش السوداني، كان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان قد وجّه نقداً واضحاً لحكومة كامل إدريس، وقال إنها بعيدة عن هموم الناس وقضاياهم اليومية. لم أتردد وقتها في أن أرى في حديثه قدراً من القسوة، وربما شيئاً من عدم الإنصاف لحكومة تعمل في ظروف استثنائية وبلد يعيش حرباً لم تضع أوزارها.
✦ لكنني لم أكن أعرف أنني، بعد ساعات قليلة فقط، سأجلس في فندق السلام روتانا أمام رئيس الوزراء، وأن ما سيحدث في ذلك اللقاء سيجعلني أعيد قراءة رصاصة البرهان من زاوية أخرى.
✦ كان الصحفيون يسألون، وهذا هو عملهم. لم تكن الأسئلة همساً في مجلس خاص، ولا مجاملة في مناسبة اجتماعية؛ كانت أسئلة صحفية مباشرة حول قضايا تشغل الرأي العام. ومع ذلك، جاءت بعض الردود، في تقديري، أكثر حدة مما تحتمل الأسئلة. وهنا كانت المفارقة التي يصعب تجاهلها.
✦ سأل الصحفي عادل الباز عن الفساد، وهو سؤال قد يزعج أي مسؤول، لكنه يظل سؤالاً مشروعاً ما دام مطروحاً في إطار العمل الصحفي. وكان يمكن لرئيس الوزراء أن يرد بالأرقام، أو أن يوضح الإجراءات، أو أن يرفض الاتهام، أو حتى أن يختلف مع الصحفي في صياغته. كل ذلك حقه. لكن ما لا ينبغي أن يتحول إليه الأمر هو أن يصبح السؤال نفسه خصماً للمسؤول.
✦ ثم جاءت الصحفية بخيتة أمين بسؤال آخر يتعلق بقرار وزير التعليم العالي استئناف الدراسة من داخل الجامعات في الخرطوم. وهو أيضاً سؤال طبيعي في بلد خرج لتوه من واحدة من أقسى تجارب الحرب والتهجير والدمار. كان السؤال يحتاج إجابة تشرح للناس: لماذا الآن؟ وما الضمانات؟ وما الذي تغير؟
✦ لكن الذي بقي في ذاكرتي لم يكن مضمون الإجابات وحده، وإنما نبرة التعامل مع الأسئلة. وهنا تحديداً شعرت أن هيبة المنصب كانت تحتاج إلى هدوء أكثر، لا إلى غضب أكثر؛ لأن المسؤول الكبير لا يخسر شيئاً عندما يواجه السؤال الصعب، بل يخسر عندما يجعل السائل يشعر أن مجرد السؤال جريمة.
✦ رئيس الوزراء ليس صحفياً في مؤتمر صحفي فحسب، بل هو واجهة حكومة بأكملها. وكل كلمة تصدر منه تُقرأ باعتبارها رسالة سياسية وأخلاقية وإدارية. ولذلك فإن ضبط النبرة ليس مسألة بروتوكول، وإنما جزء من مسؤولية المنصب نفسه.
✦ خرجت من قاعة فندق السلام روتانا وأنا لا أستطيع أن أتجاهل ذلك التناقض: البرهان يقول إن الحكومة بعيدة عن هموم الناس، ورئيس الوزراء يرد مدافعاً عن حكومته، ثم يأتي الصحفيون بأسئلة هي في جوهرها انعكاس لقلق الناس، فإذا بطريقة الرد تضيف سؤالاً جديداً إلى الأسئلة القديمة: هل تسمح الحكومة لنفسها بسماع النقد وهي تدافع عن إنجازاتها؟
✦ والأغرب أن هذه المواجهة الكلامية كادت أن تحجب عني شيئاً آخر كان موجوداً في القاعة نفسها: إنجازات حقيقية تستحق أن تُقرأ قبل أن تُرفض، وأعمالاً قامت بها بعض الوزارات لا يصح أن تُدفن تحت انطباع واحد عن الحكومة كلها.
✦ وهنا جاءت المفارقة الثانية. بعد أيام، جمعتني جلسة خاصة بالأستاذ خالد الإعيسر، بحضور المدير العام لفندق القراند هوتيل اللواء معاش عبدالمنعم عبدالمحمود، وأهداني الوزير سفراً يحمل إنجازات وزارته. قرأته بعيداً عن صخب اللقاء الأول، فوجدت أمامي أعمالاً وإنجازات تستحق التوقف والتأمل، وأدركت أن الصورة أكثر تعقيداً من أن تختصر في موقف واحد أو لقاء واحد.
✦ إنجازات الإعيسر لم تمحُ ما حدث في لقاء رئيس الوزراء، لكنها في الوقت نفسه منعتني من إصدار حكم متعجل على الحكومة بأكملها. فهناك ملفات ووزارات ومسؤولون يمكن أن يكون لهم ما يستحق الإشادة، وهناك أداء آخر يمكن أن يكون محلاً للنقد. والإنصاف يقتضي ألا نضع الجميع في سلة واحدة، كما لا يجوز أن نطلب من الصحافة أن تصفق للحكومة بالجملة.
✦ المشكلة إذن ليست في أن تنتقد الصحافة الحكومة، ولا في أن تدافع الحكومة عن نفسها. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى خصومة، والدفاع إلى انفعال، والسؤال إلى معركة شخصية. عندها لا يعود المواطن معنياً فقط بالإجابة عن السؤال الأول، بل يصبح معنياً أيضاً بطريقة إدارة المسؤول للحوار مع من يسأل باسمه.
✦ لقد علّمتني تلك الساعات أن قوة المسؤول لا تقاس بقدرته على إسكات السؤال، وإنما بقدرته على الإجابة عنه دون أن يفقد هدوءه. فالأسئلة الصعبة لا تنتقص من هيبة الدولة، لكن طريقة التعامل معها قد تفعل. والصحفي الذي يسأل عن الفساد أو عن عودة الدراسة إلى الخرطوم لا يملك رفاهية الصمت إذا كان السؤال مطروحاً في الشارع أصلاً.
✦ البرهان أطلق رصاصته في القيادة العامة، ورئيس الوزراء دافع عن حكومته في فندق السلام روتانا، والصحفيون سألوا، والإعيسر قدّم إنجازات تستحق القراءة. وبين هذه المشاهد الأربعة وجدت أن الحكم على الحكومة بالجملة ظلم، والدفاع عنها بالجملة ظلم أيضاً. ما نحتاجه هو عين ترى الإنجاز فتشيد به، وعين ترى الخلل فتنتقده، ومسؤول يتسع صدره للسؤال قبل أن يطلب من الناس أن يتسعوا لإنجازاته.
✦ وفي النهاية، ربما لم تكن رصاصة البرهان هي الأكثر إيلاماً، وإنما السؤال الذي تركته وراءها: إذا كانت الحكومة تريد أن تُقنع الناس بأنها قريبة من همومهم، فعليها أولاً أن تسمح لهم بأن يسألوها عن تلك الهموم دون أن يشعروا أنهم ارتكبوا خطأً لمجرد أنهم سألوا.











