مقالات

هذا كتابنا. بقلم/عبدالله صالح. صوت التعافي.

هذا كتابنا.
بقلم/عبدالله صالح.
صوت التعافي.
“الصحة النفسية… حين يتحول صوت المعاناة إلى قوة للتغيير” .
ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، وليست كل الجراح تُرى بالعين. فثمة حروب تستقر في أعماق الإنسان، تترك في روحه ندوباً لا تظهر في الصور، ولا تسجلها تقارير الخسائر، لكنها قد تكون أشد إيلاماً من الجراح التي نراها.
وفي العاشر من أكتوبر، حين يحتفي العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، تعود إلينا حقيقة لا ينبغي أن تغيب: قد تنتهي المعركة في الميدان، بينما تظل معارك الإنسان الداخلية مستمرة.
وفي عام 2026، يأتي التركيز على التجارب المعاشة، والأصوات الحقيقية، والتغيير الحقيقي، ليضع العالم أمام استحقاق يتجاوز التوعية إلى المشاركة الفعلية؛ فلا يكفي أن نستمع إلى أصحاب التجارب مع الاضطرابات النفسية، بل يجب أن نمنحهم مكانهم المستحق في صناعة السياسات والقرارات والخدمات التي تؤثر في حياتهم.
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فمن حق الإنسان ألا يكون موضوعاً للحديث فحسب، بل شريكاً في صياغة الحلول. ومن حقه ألا تُرسم ملامح مستقبله في غرف الاجتماعات دون أن يكون صوته حاضراً فيها. فالذين عاشوا التجربة يعرفون من تفاصيلها ما قد لا تكشفه التقارير، وما قد لا تدركه الخطط المكتوبة خلف المكاتب.
في السودان، لا يأتي هذا اليوم من وراء زجاج المناسبات الدولية، بل يأتي من قلب واقع أثقلت فيه الحرب كاهل الإنسان، ومزقت فيه النزوحَ صلاتُ المجتمع، وتراكمت فيه المخاوف والخسارات والضغوط الاقتصادية والأسرية.
لقد دفعت الحرب أعداداً كبيرة من السودانيين إلى مواجهة تجارب قاسية، تتطلب اهتماماً نفسياً واجتماعياً لا يقل أهمية عن توفير الغذاء والدواء والمأوى. فإعادة بناء المنازل ضرورة، وإعادة بناء الإنسان ضرورة لا تقل عنها.
وإذا كانت الدولة تسعى إلى استعادة مؤسساتها وإعمار ما دمرته الحرب، فإن عليها أن تدرك أن الإنسان الذي فقد أمنه واستقراره يحتاج إلى مسار للتعافي، يعيد إليه ثقته بنفسه ومجتمعه وقدرته على المشاركة في الحياة.
ومن هذا المنطلق، يبرز دور مؤسسات الصحة النفسية ، في العمل داخل هذا الميدان الذي لا تصنع فيه البطولات ضجيجاً، وإنما تُقاس بقدرتها على تخفيف المعاناة وفتح أبواب التعافي.
إن جهود إعادة تأهيل المنشآت المتضررة َوالعمل على إنشاء مراكز لعلاج الإدمان في المركز والولايات، وتنظيم الورش والمحاضرات، ومواجهة الوصمة الاجتماعية، تمثل جوانب مهمة في الاستجابة لهذه القضية الوطنية.
لكن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه الجهود إلى منظومة مستدامة، تتكامل فيها الخدمات العلاجية والتأهيلية مع الوقاية والتوعية والدعم المجتمعي، حتى لا تبقى الاستجابة رهينة المبادرات الموسمية، أو مرتبطة بجهود مؤسسات محدودة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله تجاه من يعانون اضطرابات نفسية هو أن نحاصرهم بنظرة اجتماعية تجعلهم أسرى لتجربتهم، حتى بعد أن يتجاوزوا أصعب مراحلها.
فالمرض النفسي ليس عاراً، وطلب العلاج ليس ضعفاً، والتعافي ليس منّة يمنحها المجتمع لأحد؛ إنه حق إنساني، ومسار ينبغي أن تتوافر له الرعاية والاحترام والفرص.
ومن هنا، فإن إشراك أصحاب التجارب المعاشة في تطوير الخدمات الصحية، وتصميم برامج التأهيل، وتقييم السياسات، ليس مجاملة إنسانية، بل خيار استراتيجي يجعل القرارات أكثر واقعية، والخدمات أكثر استجابة، وفرص التعافي والاندماج أكبر.
حين نستمع إلى هؤلاء، فإننا لا نمنحهم صوتاً لم يكن لهم، بل نعترف بصوت موجود لم يجد دائماً من يصغي إليه.
وحين نفتح أمام المتعافين أبواب التدريب والعمل والمشاركة الاجتماعية، فإننا لا نساعد أفراداً فحسب، بل نستعيد طاقات كان يمكن أن تبقى معطلة بفعل المرض أو الوصمة أو الإقصاء.
والأمر نفسه ينطبق على مواجهة الإدمان؛ فالتعامل معه يحتاج إلى الوقاية والعلاج والتأهيل والمتابعة، وإلى بيئة تساعد الإنسان على استعادة حياته، بدلاً من أن تدفعه إلى العزلة واليأس.
إن المجتمع الذي يعاقب الإنسان على جراحه النفسية يضاعف معاناته، أما المجتمع الذي يساعده على التعافي فيحوّل الألم إلى تجربة، والتجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى قوة تخدم الجميع.
إن حماية الصحة النفسية ليست مسؤولية المؤسسات الصحية وحدها، بل مسؤولية مشتركة تتطلب حضور الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والإعلامية والشرطية وسائر الجهات المعنية.
نحتاج إلى إدماج الصحة النفسية في الخطط الوطنية، وتوسيع نطاق الخدمات، وتعزيز الوصول إليها في الولايات ومناطق النزوح والكوارث، والاستفادة من خريجي تخصصات علم النفس والصحة النفسية وعلم الاجتماع، وفق اختصاصاتهم واحتياجات المؤسسات وإمكاناتها.
وهنا تكمن الرؤية الاستراتيجية: ألا ننظر إلى الصحة النفسية باعتبارها تكلفة إضافية، بل استثماراً في رأس المال البشري، وفي استقرار الأسرة، وتماسك المجتمع، وقدرة السودان على التعافي والنهوض.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، لا نحتاج إلى مزيد من الكلمات الجميلة بقدر ما نحتاج إلى قرارات تجعل تلك الكلمات واقعاً ملموساً.
نحتاج إلى مريض يُسمع صوته، ومتعافٍ تُصان كرامته، وأسرة تجد الدعم، ومؤسسة تفتح أبوابها، وسياسة عامة ترى الإنسان قبل أن ترى الملف، وتضع التعافي قبل الأحكام المسبقة.
إن الاحتفاء الحقيقي بهذا اليوم ليس في عدد الفعاليات التي نقيمها، بل في عدد الحواجز التي نكسرها، والخدمات التي نحسنها، والفرص التي نفتحها أمام من حُرموا منها بسبب المرض أو الإدمان أو الوصمة.
ولعل الرسالة الأهم أن الإنسان الذي مر بتجربة نفسية قاسية ليس مجرد حكاية عن الألم؛ فقد يصبح، متى وجد الرعاية والفرصة، شريكاً في التوعية، وصانعاً للتغيير، وعضواً فاعلاً في بناء مجتمعه.
فلا تكتبوا مستقبل هؤلاء دونهم، ولا تجعلوا معاناتهم تعريفاً دائماً لهم. أشركوهم في القرار، واحفظوا كرامتهم، وافتحوا أمامهم أبواب التعافي والحياة.
تحياتي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى