محجوب أبوالقاسم يكتب مصر يا أخت بلادي

محجوب أبوالقاسم
يكتب
مصر يا أخت بلادي
ليست العلاقة بين السودان ومصر مجرد حدود جغرافية تجمع بلدين متجاورين ولا مصالح سياسية تفرضها حسابات اللحظة بل هي علاقة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ صنعتها وشائج النيل وامتزجت فيها روابط الشعبين وتجاوزت محطاتها المختلفة لتظل واحدة من أكثر العلاقات خصوصية في المنطقة ولذلك فإن الحفاظ عليها ليس مسؤولية الحكومتين وحدهما بل واجب تاريخي وأخلاقي تفرضه المصالح المشتركة ومقتضيات الأمن القومي للبلدين.
مصر يا أخت بلادي عبارة تختصر الكثير من المعاني وتعبر عن وجدان السودانيين الذين ظلوا ينظرون إلى مصر باعتبارها دولة شقيقة تجمعهم بها روابط تتجاوز السياسة وتقلبات المواقف. ومنذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل برزت مصر ضمن الدول التي استقبلت أعدادا كبيرة من السودانيين ووفرت لهم فرصا للإقامة ومواصلة حياتهم في ظروف استثنائية فرضتها الحرب والنزوح وفقدان المأوى والاستقرار.
لقد وجد كثير من السودانيين الذين لجأوا إلى مصر مساحة للعيش والعمل والتعليم والعلاج ولم يشعروا جميعا بأنهم غرباء عن مجتمع تربطهم به علاقات اجتماعية وثقافية ممتدة.
وهذه المواقف الإنسانية بما حملته من معاني ستظل حاضرة في ذاكرة قطاعات واسعة من الشعب السوداني وتستحق التقدير والإشادة بعيدا عن أي خلافات عابرة أو أحداث طارئة.
كما اتسم الموقف المصري الرسمي تجاه الأزمة السودانية بالتأكيد على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان وسلامة أراضيه وهي قضايا تمثل أهمية بالغة للسودانيين في ظل التحديات التي تواجه بلادهم ومن هنا فإن العلاقات بين البلدين تظل بحاجة إلى مزيد من التنسيق والتفاهم بما يحفظ مصالح الشعبين ويصون استقرارهما.
غير أن العلاقات الراسخة لا تعني غياب التحديات ولا تمنع ظهور أحداث تثير الغضب أو تفتح أبواب التساؤلات. ففي الفترة الماضية تصاعدت أصوات ومواقف أثارت الجدل بشأن العلاقة بين البلدين وجاءت حادثة المعدنين السودانيين لتضيف مزيدا من الحساسية إلى المشهد وتترك أثرا واضحا في نفوس قطاعات من السودانيين.
هؤلاء المعدنون خرجوا بحثا عن الرزق وفي ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة شأنهم شأن آلاف السودانيين الذين دفعتهم الحاجة إلى التنقيب عن الذهب والعمل في المهن الشاقة. ولذلك فإن ما حدث وما ترتب عليه من تداعيات يستوجب التعامل معه بجدية ومسؤولية بعيدا عن التسرع في إطلاق الأحكام أو الانسياق وراء الروايات غير المكتملة.
إن حق السودانيين في معرفة الحقيقة لا يتعارض مع حرصهم على علاقاتهم بمصر كما أن حماية العلاقات بين البلدين لا تعني تجاوز حقوق المتضررين أو تجاهل مشاعر أسرهم فالصداقة الحقيقية لا تقوم على الصمت عن الأسئلة المشروعة وإنما على الشفافية والعدل واحترام كرامة الإنسان.
ومن هذا المنطلق فإن الإعلان عن نتائج التحقيق في الحادثة متى اكتملت إجراءاته وإطلاع الرأى العام على الحقائق المؤكدة يمثلان خطوة مهمة نحو إزالة الغموض واحتواء التداعيات.
كما أن التواصل الرسمي بين الجانبين وتوضيح الملابسات والمسؤوليات وفقا لما تثبته التحقيقات من شأنه أن يقطع الطريق أمام الشائعات ويحول دون استغلال الحادثة للإضرار بالعلاقات السودانية المصرية.
فليس من الحكمة أن تتحول حادثة مهما بلغت حساسيتها إلى مدخل لتعميم الاتهامات أو تحميل شعب كامل مسؤولية تصرفات أفراد أو جهات. وفي المقابل ليس من الإنصاف مطالبة المتضررين بالصمت أو التقليل من حجم ما تعرضوا له. المطلوب هو الجمع بين صون الحقوق وحماية العلاقات وبين إظهار الحقيقة وإغلاق الأبواب أمام الفتنة.
إن الأمن القومي السوداني والمصري متداخلان بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة وما يهدد استقرار أحد البلدين يمكن أن تنعكس آثاره على الآخر الأمر الذي يجعل التنسيق والتعاون ضرورة لا تحتمل المزايدة أو التهاون، فالسودان يحتاج إلى محيط إقليمي مستقر يدعم وحدته وسلامة أراضيه ومصر تحتاج إلى سودان آمن ومستقر قادر على حماية حدوده ومؤسساته والمساهمة في استقرار المنطقة.
ومن المؤسف أن تتحول الخلافات أو الحوادث الفردية إلى مادة للتعبئة والغضب المتبادل في وقت يحتاج فيه الشعبان إلى مزيد من التفاهم والتعاون.
كما أن تداول المعلومات غير الموثقة وإطلاق الاتهامات عبر المنصات الإعلامية قد يفاقمان التوتر ويمنحان مساحة أوسع للأصوات التي تدفع نحو التصعيد بدلا من المعالجة.
إن مسؤولية الإعلام في هذه المرحلة لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات الرسمية فالكلمة قد تطفئ نارا قبل اشتعالها وقد تضيف إلى الخلاف أبعادا يصعب احتواؤها ومن واجب الإعلام المهني أن ينقل الحقائق ويطرح الأسئلة المشروعة ويتابع نتائج التحقيقات ويحفظ للمتضررين حقوقهم من دون أن يحول الحوادث إلى وقود للعداءةبين الشعوب.
نحن في السودان ندرك أن العلاقات بين الدول لا تخلو من الاختلاف في وجهات النظر لكننا ندرك أيضا أن الحكمة تقتضي معالجة الخلافات عبر القنوات الرسمية لا عبر الحملات التي توسع دائرة الشكوك وتدفع الشعوب إلى مواقف متشنجة.
فالعلاقات الاستراتيجية لا تُحمى بالمجاملات وحدها وإنما بالاحترام المتبادل والوضوح والالتزام بالقانون والحرص على مصالح المواطنين في البلدين.
مصر حكومة وشعبا ظلت حاضرة في وجدان السودانيين وستظل الروابط الإنسانية والاجتماعية بين الشعبين أكبر من أن تختزلها حادثة أو تضعفها حملة عابرة والتحية لكل من وقف إلى جانب السودانيين في محنتهم وقدم لهم العون والمساندة وفتح لهم أبواب الأمل في وقت اشتدت فيه المعاناة وتفرقت فيه الأسر وضاقت سبل العيش.
وفي الوقت نفسه فإن الوفاء لهذه العلاقة يفرض على الجانبين حماية سيادة كل دولة واحترام قوانينها وصون أمن مواطنيها ومعالجة أي تجاوزات بالوسائل القانونية والمؤسسية فلا استقرار بلا احترام للحقوق ولا علاقات متينة بلا ثقة ولا ثقة بلا وضوح ومحاسبة عادلة.
إن السودان ومصر أمام مسؤولية مشتركة تتطلب تغليب صوت العقل وتعزيز قنوات التواصل ومواجهة الشائعات بالمعلومات الموثوقة وعدم السماح للخلافات بأن تتحول إلى خصومة بين شعبين جمعتهما قرون من التفاعل والتداخل والمصالح المشتركة.
مصر يا أخت بلادي ستظل العلاقة بين الشعبين أكبر من أن تهزها العواصف ما دام العقل حاضرا والحق مصونا والحوار مفتوحا فالاختلاف لا ينبغي أن يكون بداية للقطيعة والحوادث لا ينبغي أن تصبح جسورا للعداء بل يجب أن تكون دافعا لمراجعة الأخطاء وتوضيح الحقائق وتعزيز أسس الثقة والاحترام المتبادل.
حفظ الله السودان ومصر وصان شعبيهما من الفتن ووفق قيادتي البلدين إلى ما فيه الخير والأمن والاستقرار وجعل من روابط الأخوة جسرا للمستقبل لا ساحة للصراع.
19 اكتوبر 2026م
ولنا عودة











