مقالات

برلين: قراءة من مسافة بعيدة.. د.ابراهيم الصديق على

برلين: قراءة من مسافة بعيدة..
د.ابراهيم الصديق على
(1)
ما حدث في العاصمة الالمانية برلين يوم 15 ابريل الجاري أبعد من مجرد حدث عابر ، بل هو محاولة تشكيل تصورات أكبر ، ليس في السودان فحسب ، بل في الاقليم ، أو يمكن القول هو إعادة الدوات السيطرة الاستعمارية من خلال تجاوز مفهوم الدولة الوطنية و السيادة ، وهذا ما يفسر المضي قدماً في طرح حلول ومقترحات مع حرص على إبعاد الحكومة السودانية ؟..
وهذا أمر لم يستوعبه بعض قصار نظر السياسة السودانية ، والظواهر الناشئة عن هشاشة الكيانات الحزبية والقوى الوطنية ، وقد سارعوا للمشاركة و(البصم) على اوراق وتوصيات فضفاضة دون وعي بمجمل المشهد وتفاصيله ، واكبر دلالته تغييب الدولة والسيادة الوطنية..
(2)
وما هو أكثر بؤساً من هذه الحقيقة ، يتمثل في ثلاث إشارات :
أولاً: ادعاءات شخصيات (شحيحة) الأثر وتسويقها على أساس أنها تمثل الشعب السوداني ، وهذا ما فات على بعض المشاركين من السياسيين ، فقد ظل سؤال المشروعية قائماً في كل منبر وساحة ، وقد اسهمت الجاليات السودانية من خلال تظاهراتها واعتصامها أمام الخارجية الالمانية في اسقاط هذا الادعاء ، بينما أهال الرأي العام عليها التراب ، ودخل المشاركين في دائرة التبرير والبحث عن مخرج من مستودع الخزف..
أما ثاني الإشارات فهو محاولة تسويق مليشيا آل دقلو الارهابية كطرف في الحلول وبالتالي طرف في الحياة السياسية السودانية ، ومع إنها رغبة من دولة الامارات العربية المتحدة ، فانها كذلك مرتكز أساسي في تحركات وخطط قوى سياسية سودانية على راسها (صمود) ، فهى باحثة عن ضامنة لحمايتها سلطوياً ، وكان هذا توجه فولكر بيترس ، بل هو منطلق د.عبدالله حمدوك منذ يناير 2020م وطلب الحماية الدولية ، وهو كذلك سعي محموم من اطراف محلية واقليمية مناهض للمؤسسة العسكرية ، والحرب الجارية الآن جزء من هذا التحرك..
فمنذ فترة طويلة ظلت القوى اليسارية ساعية إلى تفكيك الجيش السوداني ، بإعتباره عقبة أمام طموحاتها في تفتيت البلاد واعادة تشكيلها ، وكما قال أحد قيادة صمود في وقت سابق أن (الدعم السريع يمثل نواة الجيش الجديد مع تحالف الحلو وحركات الكفاح المسلح) ، ومع بشاعة افعال مليشيا آل دقلو الارهابية ، فإن عقلية (القطيع) السياسية تركز جهودها على الجيش السوداني في المنابر والمحافل الدولية ومناهضته والاساءة إليه ، دون الإشارة إلى جرائم مليشيا آل دقلو الارهابية ومرتزقتها وداعميها وهى انتهاكات غير مسبوقة في تاريخ الانسانية..
أما الإشارة الثالثة فهى ابدال الحياة السياسية الحزبية بمكونات وجمعيات (هلامية) ، ومن خلال هذه الكيانات والمسميات الوهمية يتم تقديم الكثير من التقارير والرسائل تحت ذريعة المكونات المدنية..
وخلاصة الأمر ، فإن الحدث عبارة عن عملية (نهب) للقرار السيادي وللارادة الوطنية وفي وضح النهار ، وما زال البعض يبتسم ، وقد وقع في حفرة..
(3)
ما لم يتفطن له بعض المتآمرين هو الوعى المجتمعي وفاعليته ، فمنذ 15 ابريل 2023م تعاظم الإدراك الوطنى لما يحيط بالبلاد من مخططات واجندة معلومة ، وشكل ذلك أكبر نقطة اسناد وطني جامع ، وهو ما اتضح خلال ردة الفعل الوطنية ضد هذا المؤتمر ونتائجه ، ويمكن القول أن الراي العام تقدم على الحكومة وعلى القوى السياسية في تعامله مع الحدث ، بأبعاده الكلية الخطيرة..
وللأسف ، فإن القوى السياسية الوطنية والمجتمعية بحاجة لإطار جامع حول القضايا الكبيرة ، للتعبير ومناهضة محاولات اختطاف الوطن وتاريخه وارثه ، وهذا ما يحدث أمام نظرنا وواقع نشاهد تفاصيله وحقائقه دون ردة فعل مناسبة ، و هو أمر يستعصي على الفهم والاستيعاب..
هذه مرحلة دقيقة تتطلب حساسية عالية في مواجهة تطورات الأحداث ومجرياتها وقراءة لما وراء السطور..
حفظ الله البلاد والعباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى