الصحافة تعود إلى الخرطوم.. عندما التقى جيل البطولات بجيل التضحيات كتب :محمد عثمان الرضي

الصحافة تعود إلى الخرطوم.. عندما التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
كتب :محمد عثمان الرضي
◆ ليست كل عودةٍ عودة. بعض العودات تحمل أصحابها إلى المكان، وبعضها يعيد إلى المكان شيئاً من روحه. وما حدث في الخرطوم هذه المرة كان من النوع الثاني؛ عودةٌ لم تكن للأجساد وحدها، وإنما عودةٌ للكلمة، ولأهل الكلمة، ولواحدة من أكثر المهن التي دفعت ثمناً باهظاً في سنوات الحرب.
◆ في قلب الخرطوم، وبالتزامن مع انطلاقة فعاليات الحوار السوداني ـ السوداني، انعقدت ورشة الاتحاد العام للصحفيين السودانيين حول هموم وقضايا الإعلام، بفندق كانون بحي العمارات، شارع 15، ولم تكن القاعة يومها مجرد قاعة فندق؛ كانت أشبه بمحطة قطار توقفت فيها أخيراً عربات الصحافة السودانية بعد رحلة طويلة من الشتات.
◆ الحدث في حد ذاته كان أكبر من عنوان الورشة. فقد اجتمع في مكان واحد عدد من أبرز الخبراء والمختصين في شتى مجالات الإعلام، جاء بعضهم من داخل السودان وبعضهم من خارجه، في مشهد نادر منذ اندلاع الحرب، وكأن المهنة قررت أن تسترد بعضاً من أنفاسها التي بعثرتها سنوات الرصاص والخوف والنزوح.
◆ الحرب لم تترك الصحفيين في أماكنهم. حملتهم إلى عواصم بعيدة، ووزعتهم على خرائط اللجوء والاغتراب، وجعلت الصحفي السوداني يعمل من وراء البحار وهو يتابع وطنه من شاشة هاتف أو نافذة صغيرة في غرفة بعيدة.
◆ لكن الصورة لم تكن واحدة. فهناك شريحة كبيرة من صناع الرأي وقادته اختارت البقاء داخل السودان، ورفضت مغادرة الوطن، رغم صعوبة الحياة وقسوة الظروف، وظلت تمارس دورها الإعلامي والمجتمعي من قلب العاصفة، لا من مقاعد المتفرجين.
◆ ولذلك كان اللقاء يحمل معنى آخر. لم يكن اجتماعاً بين صحفيين فحسب، بل لقاءً بين تجربتين؛ تجربة من بقي تحت النار، وتجربة من واصل رسالته من خارج الحدود. وبين التجربتين مساحة واسعة من الألم والاختلاف والأسئلة المؤجلة.
◆ ومن رحم هذه المساحة جاءت الورقة الأولى. قدمها الأمين العام للاتحاد العام للصحفيين السودانيين الأستاذ صلاح عمر الشيخ، متناولاً مشاكل الصحافة وهمومها، وطارحاً رؤى ومقترحات لتطوير المهنة وإعادة ترتيب بيتها الداخلي.
◆ كانت ورقة تبحث عن المستقبل، لا عن شماعة للماضي. فقد تضمنت مقترحات وجدت اهتماماً من المشاركين، وأعادت طرح السؤال القديم ـ الجديد: كيف يمكن للصحافة السودانية أن تخرج من حالة الاستنزاف إلى مرحلة البناء؟ وكيف يمكن لمهنة أنهكتها الحرب أن تستعيد عافيتها دون أن تفقد روحها؟
◆ ثم جاءت الورقة الثانية لتضع الإصبع على جرح أكثر حساسية. قدمها الزميل الصحفي الدكتور مزمل أبو القاسم، وركز فيها على ميثاق الشرف الصحفي وأهمية التناول المهني للقضايا، مع التشديد على ضرورة مراعاة البعد الوطني في العمل الصحفي، خصوصاً في ظل الحرب التي تعيشها البلاد.
◆ وفي زمن الحرب تصبح الكلمة امتحاناً أخلاقياً قبل أن تكون ممارسة مهنية. فالسؤال ليس فقط ماذا نكتب؟ وإنما كيف نكتب؟ ومتى نكتب؟ وما الذي ينبغي أن يقال؟ وما الذي يحتاج إلى قدر من التروي والتثبت حتى لا تتحول الصحافة، من حيث لا تريد، إلى وقود في نار مشتعلة؟
◆ لكن الوطنية لا تعني إسكات الصحافة، كما أن المهنية لا تعني إدارة الظهر للوطن. وبين هذين الحدين الصعبين تتحرك الصحافة الرصينة؛ تقول الحقيقة، وتتحرى الدقة، وتحترم عقل القارئ، وتعرف في الوقت ذاته أن البلاد في الحرب ليست كحالها في السلم.
◆ النقاش الذي أعقب الورقتين كان ربما أهم من الورقتين نفسيهما. تحدث الحاضرون، واختلفوا، وناقشوا، وتداولوا الآراء بهدوء وعقلانية وشفافية وصراحة، في مشهد نحتاجه كثيراً في زمن أصبحت فيه الاختلافات الصغيرة قادرة على صناعة خصومات كبيرة.
◆ وهنا تحديداً تكمن قيمة الصحافة. أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نسأل دون أن نُدان، وأن نترك للقارئ حقه في أن يسمع أكثر من صوت، ثم يختار موقفه بعقله لا بصراخ المنابر.
◆ ولم تتوقف الورشة عند الكلام. فقد جرى تقسيم المشاركين إلى لجان متخصصة لإعداد مصفوفة تتضمن خلاصة المداولات والمقترحات ومخرجات الورشة، تمهيداً لرفعها إلى رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء.
◆ وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي. فالمشكلة في السودان لم تكن يوماً في كثرة المؤتمرات والندوات والورش، وإنما في تلك المسافة الطويلة بين التوصية والتنفيذ؛ بين الورقة التي تُرفع إلى المسؤول والقرار الذي يخرج من مكتبه.
◆ إذا وصلت هذه المصفوفة إلى طاولة القرار، ثم وجدت طريقها إلى التنفيذ، فإن الورشة تكون قد فعلت شيئاً مهماً. أما إذا عادت الأوراق إلى الأدراج، فسوف نكون قد أضفنا ملفاً جديداً إلى أرشيف الندوات السودانية التي ولدت كبيرة وماتت صغيرة.
◆ ومع ذلك، فإن نجاح القائمين على دعوات الصحفيين وصناع وقادة الرأي العام لا يمكن تجاوزه. لقد استطاعوا جمع عدد كبير ونوعي من أهل المهنة، بينهم من عاد إلى الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، وهذه وحدها ليست تفصيلة هامشية.
◆ إنها عودة تحمل في داخلها شيئاً من معنى الانتصار على الحرب. فالمدن لا تستعيد عافيتها بالمباني وحدها، وإنما بأهلها، ومثقفيها، وصحفييها، وكتابها، وأصحاب الرأي فيها. وحين يعود هؤلاء إلى مقاعدهم، تبدأ المدينة في استرداد صوتها.
◆ الخرطوم في ذلك اليوم لم تكن تستضيف ورشة إعلامية وحسب. كانت تستقبل وجوهاً غابت عنها طويلاً، وتجمع أصواتاً فرقتها الحرب، وتمنح المهنة فرصة نادرة لتعيد النظر في مرآتها وتسأل نفسها بصدق: ماذا كنا؟ ماذا أصبحنا؟ وماذا نريد أن نكون؟
◆ ولعل أجمل توصيف لذلك المشهد كله: التقى جيل البطولات بجيل التضحيات. جيل حمل ذاكرة الصحافة السودانية القديمة، وجيل عاش واحدة من أقسى فصول السودان الحديث، وبينهما أجيال أخرى جاءت تحمل أسئلتها وأحلامها وحقها المشروع في إعلام أفضل.
◆ ذلك اللقاء كان رسالة في حد ذاته. رسالة تقول إن الصحافة السودانية لم تمت، وإن الحرب مهما امتدت لا تستطيع أن تقتل مهنة ولدت من رحم هذا الشعب، وعاشت معه أفراحه وأحزانه وانكساراته وانتصاراته.
◆ لكن الصحافة التي ستولد بعد الحرب يجب ألا تكون هي الصحافة التي كانت قبلها. عليها أن تتعلم من السنوات العصيبة، وأن تعيد بناء ثقة القارئ، وأن تراجع أدواتها، وأن ترفع سقف مهنيتها، وأن تدرك أن السودان الجديد يحتاج إلى إعلام جديد في أدواته، عميق في أسئلته، شجاع في تحقيقاته، ومسؤول في كلمته.
◆ لقد دفعت الصحافة السودانية ثمناً غالياً. ولذلك لا يجوز أن تعود إلى المربع الأول وكأن شيئاً لم يحدث. هذه الحرب يجب أن تكون فاصلاً بين مرحلتين؛ مرحلة قبلت فيها الصحافة أحياناً أن تكون جزءاً من الضجيج، ومرحلة جديدة تصبح فيها الصحافة صوتاً للعقل، وضميراً للمجتمع، وحارساً للحقيقة.
◆ ومن هنا، فإن ورشة فندق كانون ليست نهاية الطريق. إنها مجرد بداية، وربما تكون واحدة من العلامات الصغيرة التي ستكشف لاحقاً أن الخرطوم كانت تستعيد عافيتها خطوة بعد خطوة، وأن الصحفيين كانوا من أوائل الذين طرقوا أبواب المدينة بعد طول غياب.
◆ ويبقى السؤال معلقاً فوق الخرطوم: هل تستطيع هذه الورشة أن تتحول إلى مشروع حقيقي لإصلاح الإعلام السوداني؟ الإجابة لن تأتي من الكلمات الجميلة، ولا من الصور الجماعية، ولا من عبارات الإشادة؛ ستأتي يوم تصبح التوصيات قرارات، والقرارات واقعاً، والواقع إعلاماً يليق بالسودان.
◆ أما ذلك المشهد الذي جمع أهل المهنة، فسيبقى في الذاكرة. عائدون من الخارج، وباقون في الداخل، وأجيال تلتقي بعد افتراق، وأوراق تُقرأ، وأسئلة تُطرح، وأصوات تتجادل دون أن تنكسر.
◆ في الخرطوم، لم يكن الصحفيون يلتقون فقط… كانوا يستردون بعضاً من وطن.
◆ وكانت الكلمة، بعد سنوات من الصمت والشتات، تعود إلى مكانها الطبيعي.
وهكذا التقى جيل البطولات بجيل التضحيات… وبين الجيلين وُلد سؤال المستقبل: هل تستعيد الصحافة السودانية مجدها، أم تكتفي بتأريخ ما فقدته؟.











