مقالات

د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.. . ممسكات الهوية السودانية..

د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد..
. ممسكات الهوية السودانية..
..
السودان: وطنٌ يتّسع لنا جميعاً… فلماذا تضيق صدورنا ببعضنا؟
هل نحن عرب أم أفارقة؟
وهل كان علينا أن نختار أصلاً؟
وماذا لو كان السودان هو الإجابة الأجمل عن السؤالين معاً؟
السودان ليس لوناً واحداً حتى نبحث له عن صبغة، ولا قبيلةً واحدة حتى نفتش له عن نسب، ولا لغةً واحدة حتى نختصر هويته في لسان، ولا ثقافةً واحدة حتى نضعها في صندوق ونكتب عليه: «هذه هي الشخصية السودانية».
السودان شيء أكثر تعقيداً… وأكثر جمالاً.
إنه وطنٌ تشكّل عبر آلاف السنين من تلاقح البشر والثقافات والهجرات والممالك والطرق التجارية والأنهار والصحارى والغابات والسهول. وطنٌ تتجاور فيه سحنات شديدة التباين، ولهجات ولغات، وأنماط حياة، وذاكرات محلية، وموسيقى ورقصات وملابس وعادات، ثم يجلس كل ذلك على مائدة واحدة اسمها السودان.
من الجلابية إلى التوب.
من السيف والدرقة إلى السكين والكدمول.
من الطمبور والربابة إلى إيقاعات الكمبلا والدليب والعرضة.
من أغنيات الشمال إلى إيقاعات الغرب، ومن رقصات النيل الأزرق إلى تراث الشرق، ومن البطانة وسهولها إلى كسلا وحقولها وجبالها، ومن الجعلية والشايقية والكبابيش إلى الهدندوة والنوبة وسائر المجموعات السودانية التي صنعت، كلٌّ بطريقته، جزءاً من هذه اللوحة الهائلة.
أي بلد آخر يستطيع أن يجمع كل هذا ثم يسأل أهله: من أنتم؟
ربما تكون الإجابة البسيطة هي: نحن هذا كله.
الهوية ليست بطاقة قبيلة.
أكبر الأخطاء التي ارتكبناها أننا حاولنا اختزال الهوية السودانية في إجابة واحدة.
بعضنا قال: نحن عرب.
وبعضنا قال: نحن أفارقة.
وكأن العروبة والأفريقية جوازا سفر متعارضان، لا فضاءان حضاريان وتاريخيان تداخلت فيهما الأنساب والثقافات واللغات عبر قرون طويلة.
والحقيقة أن السودان لم يكن جزيرة معزولة عن محيطه.
كان جسراً.
جسراً بين وادي النيل والقرن الأفريقي، وبين الصحراء والسافانا، وبين شمال القارة ووسطها، وبين العالم العربي وعمق أفريقيا.
ولهذا فإن محاولة انتزاع السودان من أحد محيطاته ليست دفاعاً عن الهوية، بل تشويه لها.
السوداني الذي يتحدث العربية لا يصبح أقل أفريقية.
والسوداني الذي يحمل جذوراً أفريقية عميقة لا يصبح أقل انتماءً إلى المجال العربي.
فالهوية ليست معادلة صفرية: إذا زادت نسبة عنصرٍ نقص الآخر.
الإنسان يمكن أن يحمل أكثر من دائرة انتماء في الوقت نفسه، دون أن يشعر أن عليه قتل إحداها لكي يعيش الأخرى.
لماذا نصرّ إذن على تحويل التنوع إلى معركة؟
السودان الذي يمشي على قدمين مختلفتين
تأمل السودان قليلاً.
في الشمال، حيث النيل والطمبور والجلابية والذاكرة النوبية والعربية الممتدة.
وفي الشرق، حيث الهدندوة والبجا، وحيث البحر والجبال والسهول وكسلا التي تختزن واحدة من أجمل صور التعدد السوداني.
وفي الغرب، حيث الفضاء المفتوح، وثقافات دارفور وكردفان، وإيقاعاتها ورقصاتها وملابسها وذاكرتها الاجتماعية، وحيث صنعت المجتمعات المحلية عبر قرون أنماطاً شديدة الثراء من التعايش والتبادل.
وفي الجنوب الشرقي، حيث النيل الأزرق وتنوعه الإثني والثقافي والموسيقي.
وفي البطانة، حيث فضاء السهل والرعي والبادية وذاكرة الشعر والحماسة والفروسية.
وفي جبال النوبة، حيث التنوع اللغوي والثقافي والإنساني الكبير.
ثم الخرطوم نفسها؛ تلك المدينة التي جاءت إليها البلاد كلها تقريباً، فاختلطت فيها اللهجات والسحنات والعادات والمطابخ والأزياء والأغنيات.
السودان في الخرطوم كان، وما يزال، سوداناً مصغراً. سودان محمد وردي ومحمد الامين وعبد القادر سالن والجابري وخليل اسماعيل وعبد الرحمن عبدالله وادروب والنصري وبادي محمد الطيب..
سودان عبد الله الطيب والطيب صالح.. وبركه… وعالم محمد نور.

لقد نجح المجتمع السوداني في أن يعيش هذا التنوع يومياً، لكنه فشل سياسياً في تحويله إلى نظام عادل لإدارته.
نحن نستطيع أن نرقص على إيقاعات مختلفة في ليلة واحدة، لكننا لا نستطيع أن نتفق على صيغة واحدة للحكم.
نستطيع أن نأكل من مطابخ الأقاليم كلها، لكننا نتقاتل حول السلطة والثروة.
نستطيع أن نتزوج من قبائل ومناطق مختلفة، ونصادق ونصاهر ونتجاور، ثم تأتي السياسة فتوقظ فينا العصبية وتحوّل الجار إلى خصم، والمختلف إلى عدو، والإقليم إلى خندق.
المشكلة إذن ليست في التنوع.
المشكلة في كيفية إدارة التنوع.
والتنوع في ذاته ليس نعمة ولا نقمة.
إنه طاقة.
يمكن أن يكون أعظم مصادر القوة، ويمكن أن يتحول إلى أخطر مصادر الصراع.
الولايات المتحدة ليست مجتمعاً متجانساً.
الهند ليست مجتمعاً متجانساً.
سويسرا ليست مجتمعاً متجانساً.
بل إن دولاً كثيرة نجحت لأنها لم تحاول إزالة اختلافاتها، وإنما بنت مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف.
الدولة العاقلة لا تقول لمواطنيها: «كونوا متشابهين».
بل تقول لهم:
كونوا مختلفين كما تشاؤون، لكن اتفقوا على قواعد العيش المشترك.
وهذا بالضبط ما نحتاجه في السودان.
لسنا بحاجة إلى سوداني جديد منزوع الملامح.
نحن بحاجة إلى دولة سودانية لا تخاف من تعدد السودانيين.
ماذا يجمعنا إذن؟
قد يقول قائل: إذا كنا بهذا الاختلاف، فما الذي يجمعنا؟
يجمعنا أكثر مما نظن.
يجمعنا الوطن.
يجمعنا النيل، لا باعتباره نهراً فقط، وإنما باعتباره أحد أكبر محاور التاريخ السوداني.
تجمعنا الذاكرة المشتركة.
تجمعنا الأسواق والطرق والمدن.
تجمعنا المصاهرة.
تجمعنا اللغة العربية بوصفها لغة تواصل واسعة، إلى جانب لغات سودانية عديدة هي أيضاً خزائن للذاكرة والثقافة.
تجمعنا الموسيقى.
تجمعنا كرة القدم.
تجمعنا المآتم والأفراح.
تجمعنا «الفزعة» و«النجدة» و«الجيرة».
يجمعنا الكرم السوداني، مهما اختلفت أشكاله.
تجمعنا طريقة السلام، وطريقة استقبال الضيف، وطريقة الحزن، وطريقة الفرح.
بل يجمعنا شيء أعمق:
تجمعنا تجربة أن نكون سودانيين.
وهي تجربة لا تحتاج إلى أن تكون متطابقة حتى تكون مشتركة.
لماذا لم يتحول التنوع إلى محبة؟
هنا السؤال الأصعب.
لماذا لم يكن هذا التنوع الهائل مدخلاً إلى التوادد والتكامل؟
لماذا لم نقل: أنت تضيف إليّ ما لا أملكه، وأنا أضيف إليك ما لا تملكه؟
لماذا لا تكون موسيقى الشرق إضافة إلى موسيقى الغرب، ورقصات النيل الأزرق جزءاً من الذاكرة القومية، وتراث الشمال ملكاً للسودان كله، وثقافات كردفان ودارفور والبطانة والنوبة والشرق روافد متساوية في نهر واحد؟
السبب أن السياسة السودانية كثيراً ما تعاملت مع التنوع باعتباره وسيلة للوصول إلى السلطة بدلاً من اعتباره حقيقة يجب أن تُدار بالعدل.
حين تغيب العدالة، يصبح الاختلاف مادة للاحتقان.
وحين تتركز السلطة والثروة والخدمات في المركز، لا يعود السؤال:
«كيف نعيش معاً؟»
بل يتحول إلى:
«من يملك الدولة؟»
وهنا تبدأ الكارثة.
الحرب ليست قدراً
كل حرب سودانية تترك وراءها سؤالاً أكبر من سؤال السلاح:
لماذا لم نستطع أن نحل خلافاتنا قبل أن تتحول إلى دم؟
الحرب لا تبدأ دائماً عندما تُطلق أول رصاصة.
قد تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة:
حين يشعر إقليم بأنه منسي.
حين يشعر مواطن أن الدولة لا تراه.
حين تتحول القبيلة إلى مؤسسة بديلة عن الدولة.
حين يصبح الوصول إلى السلطة طريقاً للحصول على الموارد.
حين يعتقد مركز ما أنه السودان كله.
وحين يعتقد طرف آخر أن هويته لا يمكن أن تعيش إلا بإقصاء الآخرين.
وهكذا يتحول الخلاف السياسي إلى صراع اجتماعي، ويتحول الصراع الاجتماعي إلى سلاح، ثم يصبح السلاح هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.
كيف نحكم السودان؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي ظللنا نهرب منه.
ليس السؤال: من يحكم السودان؟
بل:
كيف يجب أن يُحكم السودان؟
وهذه نقطة جوهرية.
السودان الكبير لا يمكن أن يُدار بعقلية الدولة الصغيرة.
ولا يمكن أن تحكمه مركزية تجعل العاصمة تعرف كل شيء عن الأطراف ولا تعرف عنها شيئاً.
ولا يمكن أن يُدار بمنطق الغالب والمغلوب.
نحن بحاجة إلى دولة تعترف بالتنوع وتحوّله إلى بنية دستورية ومؤسسية.
دولة لامركزية حقيقية.
حكومات إقليمية ومحلية تمتلك صلاحيات وموارد حقيقية.
توزيع عادل للثروة.
توزيع عادل للاستثمار والخدمات.
جيش وطني مهني واحد.
مؤسسات عدلية مستقلة.
قانون واحد على الجميع.
وتمثيل سياسي لا يقوم على شراء الولاءات أو صناعة الزعامات القبلية، وإنما على المواطنة والكفاءة والانتخاب والمحاسبة.
السودان لا يحتاج إلى رجل قوي.
السودان يحتاج إلى دولة قوية.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الوطن والمؤقت، وبين المؤسسة والفرد، وبين الاستقرار والدوامة.
أن تكون سودانياً… لا أن تكون نسخة من سوداني آخر
ربما آن لنا أن نعيد تعريف المواطنة.
أن نقول للنوبي:
أنت سوداني دون أن تتخلى عن خصوصيتك.
وللبجاوي:
أنت سوداني دون أن تتنازل عن لغتك وثقافتك.
ولأهل الغرب:
أنتم سودانيون دون أن يُطلب منكم أن تصبحوا نسخة من المركز.
ولأهل الشمال والوسط:
أنتم سودانيون أيضاً، ولن تكون سودانيتكم أقل لأن الآخرين يريدون نصيبهم العادل من الوطن.
هذه هي المعادلة التي يجب أن نصل إليها:
الخصوصية الثقافية لا تعني الانفصال.
والوحدة الوطنية لا تعني الذوبان.
والمواطنة لا تعني محو الاختلاف.
بل إن المواطنة الحقيقية هي أن تكون مختلفاً، ومع ذلك تحصل على الحقوق نفسها.
السودان ليس بحاجة إلى محو التنوع… بل إلى تحويله إلى قوة
تخيلوا سوداناً يحتفل بتنوعه كما تحتفل الأمم العظيمة بتنوعها.
مهرجان قومي سنوي تعرض فيه رقصات وإيقاعات البلاد كلها.
مناهج مدرسية تعرف الطفل بثقافات جميع الأقاليم، لا بثقافة إقليم واحد باعتبارها معيار السودان.
قنوات إعلامية تمنح كل منطقة صوتها.
متاحف تحفظ الذاكرة الشعبية.
مراكز أبحاث تدرس اللغات والتراث المحلي.
سينما سودانية تصور البلاد بكل وجوهها.
جامعات تفتح أبوابها للتبادل بين الأقاليم.
اقتصاد يستثمر في كل السودان، لا في مثلث ضيق.
وحينها لن يكون الكدمول غريباً على الجلابية، ولا التوب غريباً على الثوب الشعبي في الغرب، ولا الطمبور غريباً عن إيقاعات الشرق، ولا العرضة غريبة عن رقصات كردفان ودارفور.
سنكتشف أن ما كنا نظنه جدراناً بيننا، كان يمكن أن يكون أبواباً لبعضنا.
نحن بلدٌ عجيب.
لدينا كل هذا التاريخ، وكل هذا التنوع، وكل هذه الموارد، وكل هذه الجغرافيا، وكل هذا الإرث الثقافي… ثم نعجز عن الاتفاق على كيفية العيش معاً.
لدينا شعب يعرف كيف يتعايش في الحياة اليومية، لكن نخبه السياسية كثيراً ما تفشل في تحويل هذا التعايش إلى عقد وطني.
لدينا مئات الطرق التي يمكن أن تجمعنا، لكننا نصر على البحث عن الأشياء التي تفرقنا.
إذن هل التنوع مشكلة؟
والجواب:
المشكلة ليست أن نختلف، بل أن نعجز عن إدارة اختلافنا.
ونسأل:
كيف ننهي الحرب؟
والجواب لن يكون في اتفاق سلام آخر يُوقَّع ثم يُمزق بعد سنوات.
بل في بناء دولة تجعل الحرب غير مربحة سياسياً، وغير ضرورية اجتماعياً، وغير ممكنة مؤسسياً.
نحتاج إلى عقد وطني جديد.
لا يقوم على سؤال:
«من الغالب؟»
بل على سؤال:
«كيف يربح السودان كله؟»
ربما آن للسودانيين أن يتوقفوا عن البحث عن السودان الذي يشبه كل واحد منهم، وأن يبدأوا في بناء السودان الذي يتسع لكل واحد منهم.
فالسودان ليس أن يصبح الجعلِي شايقياً، ولا أن يصبح الشايقي هدنداوياً، ولا أن يتخلى النوبي عن نوبته، ولا أن يتنازل أهل الغرب عن ذاكرتهم.
السودان أن يبقى هؤلاء جميعاً كما هم…
لكنهم يلتقون تحت سقف دولة واحدة، وقانون واحد، وكرامة واحدة، ومستقبل واحد.
وعندها فقط يصبح التنوع نعمة لا نغمة.
ويصبح الاختلاف ثراءً لا اقتتالاً.
ويصبح الوطن أكبر من القبيلة، والدولة أكبر من الحزب، والمواطنة أكبر من السلالة، والإنسان أكبر من بندقيته.
أما إذا ظللنا نختلف في كل شيء، ونتقاتل على كل شيء، ونريد وطناً على مقاس كل واحد منا…
فقد يأتي يوم نسأل فيه، لا عن هويتنا، بل عن وطننا نفسه:
أكان السودان وطناً واسعاً فلم يتسع لنا؟
أم كنا نحن الذين ضاقت عقولنا عن وطنٍ كان يتسع لنا جميعاً؟
وهنا لا يبقى إلا السؤال الأكثر إيلاماً:
أليس فينا رجلٌ رشيد؟

نقطة سطر جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى