من يحتمل الآخر أكثر.. الإسلاميون أم خصومهم…؟! ضياء الدين بلال

من يحتمل الآخر أكثر.. الإسلاميون أم خصومهم…؟!
ضياء الدين بلال
القناعة التي ترسخت لدي من خلال وجودي في الفضاء العام والعمل الصحفي تحديدا وتواصلي مع مختلف الأطياف السياسية بتنوعها، هي أن غالب الإسلاميين في السودان كانوا أكثر رحابة في تقبل الرأي الآخر والتعامل مع المختلفين معهم أيديولوجيا، من غالب القوى السياسية الأخرى، ولا سيما اليسارية منها.
والاستثناء الأوضح بالنسبة لي على مستوى القيادات المعارضة هما الراحلان السيد الصادق المهدي والأستاذ محمد إبراهيم نقد.
وإلى حد أقل، المهندس عمر الدقير والأستاذ ياسر عرمان، والأخير كانت له محاولات للتواصل مع الإسلاميين لم يكتب لها النجاح لأسباب خاصة به، إلى جانب مواقف حادة تجاهه من قبل غالب الإسلاميين.
أما الأستاذ الحاج وراق، فكان أكثر تواصلا مع المختلفين معه عقب خروجه من الاختفاء عام 1998، لكنه بدأ في فقدان ذلك تدريجيا بعد اتفاقية السلام عام 2005.
ويعتبر السيد الصادق المهدي، دون منازع، السياسي الأكثر رحابة في التعامل مع المختلفين معه وتقبل الرأي الآخر. كان بالنسبة لي نموذجا نادرا في التسامح السياسي والقدرة على التواصل مع الخصوم والمختلفين.
ودليلي على رحابة الإسلاميين في التواصل مع الآخرين وقبول الرأي الآخر، ولا سيما بعد عشريتهم الأولى الباطشة، في مقابل ضيق مساحة القبول لدى بقية القوى السياسية التي ظلت خلال الثلاثين عاما ما بين المعارضة والمشاركة في حدود، وقائع من خلال تجربتي في المجال الإعلامي.
ففي الصحف التي كانت مملوكة لإسلاميين أو يديرها كوادر محسوبة عليهم، كانت هناك مساحة لعدد مقدر من كبار المعارضين للإنقاذ للكتابة والتعبير عن آرائهم، وكرؤساء تحرير وصحفيين أيضا.
وحتى في العشرية الأولى التي اتسمت بالعنف وضيق مساحة الحرية، كنا نتوق شوقا لنجد كتابات يحيى فضل الله وعمر الطيب الدوش وهاشم صديق وآخرين في صحف الإنقاذ الوطني والسودان الحديث وظلال، المملوكة للحزب الحاكم وقتذاك.
وفي بدايات الألفية الثالثة، كنا نجد مقالات الدكتور منصور خالد وسجالاته الساخنة مع الدكتورين محمد إبراهيم الشوش وخالد المبارك، وكتابات الأستاذ كمال الجزولي البديعة على صفحات الرأي العام والصحافة والأضواء.
وكانت البرامج التلفزيونية تستضيف بصورة راتبة عددا من الكتاب والصحفيين المعارضين، ولم يكن وجودهم في تلك المنابر أمرا مستغربا.
وفي المقابل، ما بعد سقوط الإنقاذ في 2019 وما قبل ذلك بسنوات، لم نكن نجد في غالب الصحف ذات الاتجاهات السياسية المختلفة كتابا أو صحفيين إسلاميين أو ممن لهم صلات بالنظام السابق!
أما في القنوات والإذاعات خلال عهد حكومة حمدوك، فقد أغلقت الأبواب تماما في وجه الإسلاميين ومن كانوا محسوبين عليهم، وأصبحت المنابر الإعلامية محتكرة لشريحة سياسية وفكرية محددة، مع وجود استثناءات قليلة جدا سرعان ما تلاشى وجودها.
وفي عهد حمدوك، ولأول مرة في تاريخ الصحافة، تم التعامل مع مصادرة الصحف عبر دوشكات الدعم السريع.
بل الأدهى والأمر أنه في سابقة غريبة، وخلال إحدى الحلقات التلفزيونية، تسرب صوت مختلف في برنامج على الهواء، فإذا بوكيل وزارة الإعلام الرشيد سعيد يتصل بغرفة الكنترول ويطلب منهم قطع البرنامج وإخراج أحد الضيوف من الاستوديو.
هذه الوقائع لا أوردها لتجميل تجربة الإنقاذ أو التغاضي عن طبيعة المرحلة وما شهدته من تجاوزات وضيق في الحريات، وإنما لأقول إن التعامل مع الآخر لا يقاس فقط بالشعارات التي ترفعها القوى السياسية، وإنما بما تفعله عندما تكون هي صاحبة المنبر والقرار.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من كان أكثر ديمقراطية ومن كان أقل، وإنما لماذا ظل قبول الآخر بهذه الصورة المتناقضة بين القوى السياسية السودانية؟
فالسياسي الذي يطالب بحقه في التعبير عندما يكون خارج السلطة، يفترض أن يكون أكثر حرصا على حق خصمه في التعبير عندما يمتلك هو المنبر والسلطة.
وهذا في تقديري أحد الاختبارات الحقيقية لأي تجربة سياسية: كيف نتعامل مع الصوت الذي لا يعجبنا، وكيف نترك مساحة لمن نختلف معه حتى يقول ما لا نريد سماعه..!
#السودان
#Sudan











