ملتقى الإعلاميين … من الخلاف إلى منصة تجمع الجميع قراءة تحليلية نحو إعلام يجمع ولا يُقصي، ويبني ولا يهدم مرتضى عمر

ملتقى الإعلاميين … من الخلاف إلى منصة تجمع الجميع
قراءة تحليلية نحو إعلام يجمع ولا يُقصي، ويبني ولا يهدم
في ظل الظروف الإستثنائية والمعقدة التي تمر بها بلادنا، وفي وقت تتداخل فيه الحرب والسياسة والمجتمع والاقتصاد والإعلام بصورة غير مسبوقة، جاءت الدعوة إلى إقامة ملتقى يجمع الإعلاميين لمناقشة قضايا المهنة ودور الإعلام في المرحلة الراهنة.
وكما كان متوقعاً، أثارت الفكرة نقاشاً واسعاً بين مؤيد ورافض ومتحفظ .
لكن ربما يكون من المفيد أن نتجاوز السؤال: من مع الملتقى ومن ضده؟
إلى سؤال أكبر وأكثر أهمية :
كيف يمكن أن نجعل من هذا الملتقى بدايةً لمسار مهني ووطني يستوعب الجميع، ويؤسس لإعلام قوي ومسؤول، ومن ثم لوطن يسع جميع أبنائه؟
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائه، وإنما يحتاج إلى جسور.
أولاً: للمؤيدين حقهم في الدعوة إلى المبادرة
من الطبيعي أن يرى المؤيدون أن الظروف الراهنة تتطلب تحركاً سريعاً، وأن الإعلام أصبح جزءاً أساسياً من معركة الوعي، وأن ترك الساحة للفوضى والشائعات وخطابات الكراهية والتضليل قد تكون كلفته أكبر من كلفة الاختلاف حول الملتقى نفسه.
كما أن أي مشروع كبير لا يمكن أن يبدأ دائماً بمشاركة الجميع منذ اللحظة الأولى، وقد تكون هناك ظروف تنظيمية ولوجستية تفرض بداية محدودة ثم تتوسع لاحقاً.
وهذا منطق يمكن تفهمه.
لكن المبادرة لا ينبغي أن تتحول إلى احتكار، والبداية المحدودة لا ينبغي أن تصبح نهاية مغلقة.
فمن بدأ الطريق يستطيع أن يفتح الطريق للآخرين.
ثانياً: وللرافضين والمتخوفين حق مشروع في إبداء مخاوفهم
في المقابل، من حق كل إعلامي أن يسأل:
كيف تم اختيار المشاركين؟
وما هي المعايير؟
ومن يمثل من؟
وهل الملتقى مهني أم سياسي؟
وهل الباب مفتوح لمن يختلف في الرأي؟
وهل للإعلاميين في الولايات والأقاليم والمساحات المختلفة مكان حقيقي في هذا المشروع؟
هذه الأسئلة ليست بالضرورة محاولة لإفشال الملتقى.
بل يمكن أن تكون فرصة لتقوية الملتقى وحمايته من الشكوك وسوء الفهم.
فالشفافية لا تُضعف أي مشروع جاد، وإنما تمنحه الثقة.
ثالثاً: الأزمة الحقيقية ليست في الملتقى… وإنما في الثقة
ربما يكون هذا هو جوهر المسألة.
لقد أضعفت الحرب والمؤسسات المتعثرة والانقسامات السياسية والمجتمعية الثقة بين قطاعات واسعة من أبناء الوطن.
ولهذا فإن أي تجمع جديد قد يُقرأ بأكثر من طريقة:
قد يراه البعض مبادرة لإنقاذ المهنة،
ويراه آخرون محاولة للهيمنة،
ويراه فريق ثالث فرصة للحوار،
وقد يخشى منه آخرون بسبب تجارب سابقة.
وهنا لا ينبغي أن يكون الحل بإلغاء الملتقى، كما لا ينبغي أن يكون الحل برفض أي نقد له.
الحل هو أن نجعل الملتقى أكبر من مؤسسيه، وأوسع من المشاركين فيه، وأبعد من أي انتماء سياسي أو أيديولوجي.
رابعاً: الباب يجب أن يكون مفتوحاً لكل وطني
إن السودان أكبر من أي حزب، وأكبر من أي تيار، وأكبر من أي مجموعة إعلامية أو مهنية.
ومن هنا، فإن البوابة الصحيحة يجب أن تكون مفتوحة لكل سوداني وطني يريد أن يسهم في بناء بلده، مهما اختلف انتماؤه السياسي أو الفكري، ما دام ملتزماً بالقانون، وبحرمة الدم السوداني، وبوحدة الوطن، وبكرامة الإنسان.
فالاختلاف ليس جريمة.
والتنوع ليس ضعفاً.
والحوار مع المختلف لا يعني الاتفاق معه.
بل إن قوة الأوطان تقاس بقدرتها على إدارة اختلافاتها بالحوار والمؤسسات، لا بمحاولة إلغاء بعضها بعضاً.
خامساً: الانفتاح لا يعني فتح الباب للفوضى
وفي الوقت نفسه، فإن الدعوة إلى المشاركة الواسعة لا تعني أن يكون الباب مفتوحاً أمام من يريد استخدام الملتقى لتصفية الحسابات، أو نشر الكراهية، أو التحريض، أو التضليل، أو تمزيق النسيج الاجتماعي، أو تحويل المنصة المهنية إلى ساحة صراع سياسي.
نحن نريد أن نفتح الأبواب للعقول، لا للفوضى.
نريد أن نسمع المختلف، لا أن نسمح بتخريب الحوار.
نريد حرية الرأي، ولكن مع المسؤولية.
نريد التعدد، ولكن مع احترام الوطن.
ونريد إعلاماً مستقلاً ومهنياً، ولكن لا إعلاماً يتحول إلى أداة لهدم الدولة والمجتمع.
فليس كل ما يوضع في إناء الوطن يصبح وطنياً، ولذلك علينا أن نحذر من “دس السم في الدسم”؛ وأن نميز بين الاختلاف المشروع وبين محاولات الاختراق والتخريب والتحريض.
سادساً: من ملتقى للإعلاميين إلى نموذج للحوار الوطني
وهنا يمكن أن يتحول هذا الملتقى إلى فرصة تاريخية.
لماذا لا يكون الملتقى نقطة البداية وليس نقطة النهاية؟
لماذا لا يتم الاتفاق على آلية واضحة للتوسع التدريجي، بحيث تشمل الصحفيين والإعلاميين بمختلف تخصصاتهم ومنصاتهم، ثم تمتد المشاركة إلى الأجسام المهنية والنقابية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني والشباب والمرأة والإعلاميين في الولايات والأقاليم والمهجر؟
ولماذا لا يكون هذا النموذج نفسه تجربة مصغرة لما نريده للسودان؟
حوار، اختلاف، اتفاق، مؤسسات، قواعد، شفافية، وتداول للرأي دون إقصاء.
فإذا نجح الإعلاميون في إدارة اختلافهم، فإنهم يقدمون نموذجاً يمكن أن تستفيد منه بقية قطاعات المجتمع.
سابعاً: نستفيد من تجارب الشعوب التي خرجت من الأزمات
الشعوب التي مرت بالحروب والانقسامات لم تصل إلى الاستقرار لأنها أصبحت متطابقة في آرائها.
بل وصلت لأنها تعلمت كيف تجعل الاختلاف داخل المؤسسات، لا في الشوارع؛ والحوار بديلاً عن الإقصاء؛ والقانون حكماً بين الجميع.
وهذه التجارب، مع اختلاف ظروف كل دولة، يمكن أن تلهمنا في بناء نموذج سوداني خاص بنا، يستفيد من دروس الآخرين ولا يستنسخهم.
فالسودان لا يحتاج إلى نسخة من دولة أخرى.
السودان يحتاج إلى أن يكتشف طريقه الخاص نحو السلام والاستقرار والتنمية.
ثامناً: الإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار… بل شريك في بناء المستقبل
في هذه المرحلة، مسؤولية الإعلامي أكبر من مجرد نقل الحدث.
الإعلام يستطيع أن يطفئ ناراً أو يشعلها.
يستطيع أن يجمع الناس أو يفرقهم.
يستطيع أن يزرع الأمل أو ينشر اليأس.
ولهذا نحتاج إلى إعلام يعرف الفرق بين الخبر والرأي، والنقد والتحريض، والوطنية والدعاية، والحرية والفوضى.
نحتاج إلى ميثاق شرف مهني حقيقي، لا يفرض رأياً سياسياً على الإعلاميين، وإنما يحمي قواعد المهنة وكرامة الإنسان وحق الجمهور في المعرفة.
الخلاصة: فلنجعل الملتقى بداية لا نهاية
ليس المطلوب أن ننتصر لمعسكر على آخر.
وليس المطلوب أن نبحث عن مخطئ نحمّله مسؤولية كل شيء.
المطلوب أن نلتقط اللحظة ونحوّلها إلى فرصة.
إن كان الملتقى قد بدأ بمجموعة، فليتوسع.
وإن كانت هناك ملاحظات، فلتُناقش.
وإن كانت هناك مخاوف، فلتُطمأن.
وإن كانت هناك أخطاء، فلتُصحح.
وإن كانت هناك نجاحات، فلتُبنى عليها.
ولنجعل من الملتقى بوابة مفتوحة لكل الوطنيين، ثم نفتح من خلاله أبواباً أوسع لكل التشكيلات المهنية والمدنية والمجتمعية، حتى يصبح الحوار ثقافة وطنية لا مناسبة عابرة.
فالغاية ليست أن نقول: من حضر؟ ومن لم يحضر؟
بل أن نسأل:
ماذا نستطيع أن نبني معاً؟
نريد إعلاماً قوياً، مهنياً، مستقلاً، مسؤولاً، يعرف كيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينتقد دون أن يهدم، وكيف ينحاز للحق دون أن يتحول إلى أداة للاستقطاب.
ونريد من هذا الملتقى أن يكون شمعة تنير الطريق، لا جداراً يحجب الرؤية.
شمعة يستفيد من نورها من بدأ بإشعالها، ومن جاء بعدها، ومن اختلف معها، ومن سار في طريق آخر.
فالسودان الذي نحلم به لن تبنيه مجموعة واحدة، ولا حزب واحد، ولا قبيلة واحدة، ولا مؤسسة واحدة، ولا إعلاميون وحدهم.
إنما يبنيه الجميع.
سودان يتسع للاختلاف، ويحمي التعدد، ويحتكم إلى القانون، ويكرّم الكفاءة، ويصون كرامة الإنسان، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.
فلنجعل ملتقى الإعلاميين أول شمعة في هذا الطريق.
لا نريد أن نكون جزءاً من المشكلة.
بل نريد أن نكون جزءاً من الحل.
ولا نريد أن نرث وطناً ممزقاً لأبنائنا.
بل نريد أن نسلّمهم وطناً أقوى، أكثر عدلاً، وأكثر أمناً، وأكثر وحدة، وأكثر قدرة على النهوض.
فالاختلاف يمكن أن يكون ثراءً، والتعدد يمكن أن يكون قوة، والحوار يمكن أن يكون بداية النهضة.
فلنختلف… ولكن لا نختلف على السودان.
ولنختلف في الطريق… ولكن لنتفق على الوصول.
ولنجعل من اختلافنا جسراً إلى وطن يسع الجميع ..
مرتضى عمر










