حروف من ذهب مجذوب حميدة

حروف من ذهب
مجذوب حميدة
«إنما الأمم الأخلاق ما بقيتْ
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا»
ليست الأخلاق ترفاً نعلّقه على جيد الكلام حين تكون الحياة هادئة، ولا مواعظ نرددها في المناسبات ثم نعود بعدها إلى ما اعتدناه من سلوك…
ولعلنافي هذا الاوان المثقل بالفقد والنزوح والحرب وتبدل الأحوال، أحوج ما نكون إلى إعادة النظر في معنى الأخلاق، لا بوصفها كلمات محفوظة، وإنما باعتبارها مشروع حياة…
فالحرب لا تقتل الناس وحسب ولكن أحياناً تغيّر الأشياء في داخلهم…
تغيّر طريقة نظرهم إلى الحياة، وتعيد ترتيب أولوياتهم، وتزرع في بعض النفوس خوفاً لم يكن موجوداً، وشكاً لم يكن مألوفاً، وقسوة لم تكن من طبع أصحابها….
ان النزوح لا يعني أن تترك بيتك وتمضي إلى مكان آخر فحسب؛ إنما يعني، في كثير من الأحيان، أن تحمل بيتك المفقود في قلبك، وأن تعيش طويلاً في حالة من عدم اليقين….
وحين يطول الخوف، قد يصبح الإنسان أكثر حذراً وأكثر شدة في أحكامه، وأقل قدرة على منح الآخرين أعذارهم.
وهنا تبدأ المعركة الأخرى؛ معركة الإنسان مع نفسه.
فليس أصعب من أن تحافظ على إنسانيتك في زمن يدفعك كل يوم إلى القسوة…
قد تخسر الكثير لكن لا ينبغي أن تخسر قلبك.
قد تفقد مالاً، لكن لا ينبغي أن تفقد نزاهتك.
قد تضطر إلى الهجرة، لكن لا ينبغي أن تهاجر عنك قيمك…
وقد يتغير المكان الذي تسكنه، لكن لا ينبغي أن يتغير الإنسان الذي في داخلك.
الحرب امتحان قاسٍ للأخلاق، لأنها تعري الإنسان أكثر مما تستره
…في الظروف الطبيعية، يسهل علينا أن نبدو طيبين. أن نبتسم، ونجامل، ونقول الكلمات الجميلة. لكن الأخلاق الحقيقية تظهر عندما تضيق المساحة، ويكثر المحتاجون، ويقل المتاح، وتصبح الفرصة متاحة لأن يأخذ الإنسان حق غيره دون أن يراه او يحاسبه أحد…
هناك، تحديداً، نعرف من نحن.
ولقد كشفت لنا السنوات الأخيرة كم تغيرت علاقات الناس بعضهم ببعض. أصدقاء فرقتهم المسافات، وأقارب أكلت بينهم الخصومات ما بقي من الود، وبيوت كانت عامرة بالألفة فإذا بها تحمل في داخلها صمتاً ثقيلاً. أناس كانوا بالأمس يتبادلون السؤال كل صباح، فأصبح السؤال بينهم موسمياً، وربما انقطع تماماً.
ليس لأن المحبة ماتت دائماً، ولكن لأن الحياة أخذت من الناس طاقة الاحتمال.
والإنسان حين يتعب، قد يقسو حتى على من يحب.
لكن التعب ليس عذراً دائماً.
علينا أن نتعلم كيف نختلف دون أن نؤذي، وكيف نغضب دون أن نهين، وكيف نعاتب دون أن نهدم، وكيف نبتعد دون أن نشهر، وكيف ننهي علاقة دون أن نحول صاحبها إلى عدو…
وهذه واحدة من أخطر خسائر عصرنا أننا لم نعد نكتفي بأن نختلف مع الناس، بل نريد أحياناً أن نعاقبهم على اختلافهم.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الرغبة في الانتقام مساحة أوسع وانتشارا افظع
فالمديا، التي كان يمكن أن تكون جسراً بين الناس، تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحة مفتوحة للخصومات، وكأن الهاتف منح بعضنا شجاعة لم تكن لديه في الحياة الواقعية.
نكتب عن الآخرين ما لا نستطيع أن نقوله في وجوههم.
ننشر صورهم.
نحكي أسرارهم.
نقتطع كلامهم من سياقه.
نطلق الأحكام.
نحوّل الخلاف الشخصي إلى قضية عامة.
ثم نمضي إلى نومنا، بينما قد يكون شخص آخر قد أمضى ليلته في محاولة ترميم كرامته التي كسرناها بمنشور عابر.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً:
هل كل ما نعرفه يستحق أن ننشره؟
الإجابة: لا.
ليس كل خبر صالحاً للنشر، وليس كل حقيقة ملكاً لنا، وليس كل خطأ يستحق أن يتحول إلى فضيحة، وليس كل خلاف يستحق تصفيقا من الجمهور او لايك ممهور
هناك فرق كبير بين أن تنقل الحقيقة وأن تقتلها
وبين النصيحة والتشهير.
وبين النقد والإهانة…
وبين حرية التعبير والفوضى.
وبين أن تستخدم الكلمة لتصحيح خطأ، وأن تستخدمها لإذلال صاحب الخطأ.
والكلمة، مهما بدت صغيرة على شاشة الهاتف، قد تكون في حياة إنسان آخر جرحاً لا يندمل.
لقد تغيرت حياتنا كثيراً، ولذلك تغيرت علاقاتنا.
كنا نلتقي الناس أكثر مما نراسلهم، ونسمع أصواتهم أكثر مما نقرأ منشوراتهم، ونعرف أحزانهم من ملامح وجوههم لا من حالاتهم في وسائل التواصل.
أما اليوم فقد أصبح من الممكن أن يعيش شخص بالقرب منك سنوات، ولا تعرف عنه شيئاً، بينما تعرف تفاصيل حياة شخص يبعد عنك آلاف الأميال.
صار التواصل أكثر، لكن التواصل الإنساني أقل.
وكثرت العلاقات، وقلّ العمق.
ازدادت قائمة الأصدقاء، وقلّ الأحبأء
كثر المتابعون، وقلّ الذين يحسون وجعك الحقيقي.
ماذا فعلت بي السنوات؟
هل جعلتني أكثر رحمة أم أكثر قسوة؟
هل علمتني التجارب أن ألتمس للناس الأعذار، أم جعلتني أسرع في إدانتهم؟
هل جعلني الفقد أكثر إحساساً بفقد الآخرين، أم جعلني منشغلاً بفقدي وحدي؟
هل علمتني الحياة أن أقدر النعمة، أم جعلتني لا أرى إلا ما ينقصني؟
هل ما زلت الشخص الذي كان أهلي يعرفونه قبل كل هذه التحولات؟
وهل إذا عاد بي الزمن إلى الوراء، سأتعرف إلى نفسي؟
هذه الأسئلة ليست فلسفة زائدة…
إنها ضرورة.
فالإنسان لا يتغير فجأة. يتغير رويدا ، رويدا
..موقف صغير يجعله أكثر قسوة.
خصومة تافهة تعلمه ألا يثق بأحد.
خذلان يجعله يغلق قلبه.
تجربة صغيرة تجعله يرد الإساءة بإساءة.
ثم يكتشف بعد أنه لم يعد ذلك الإنسان الذي كان يعرفه…
لذلك، فإن الحفاظ على الأخلاق يحتاج إلى مراجعة مستمرة للنفس.
أن تعرف متى تقول: أخطأت.
ومتى تقول: سامحني.
ومتى تقول: لن أرد.
ومتى تختار الصمت بدلاً من معركة لا تستحق.
ومتى تغادر علاقة تستنزفك دون أن تحمل منها كراهية.
ومتى تعطي شخصاً فرصة أخرى.
ومتى تمنح نفسك أنت فرصة أخرى…
ليس مطلوباً منك أن تكون ملاكاً.
نحن بشر، نغضب، ونحزن، ونخطئ، ونضعف.
لكن الفرق بيننا ليس في أنه لا نخطئ، وإنما في قدرتنا على مراجعة خطئنا
أن نعود خطوة حين نكتشف تجاوزنا الخطوط الحمراء
أن نعتذر حين نكتشف أننا أوجعنا
أن يصلح ما أفسدنا
أن نرفض أن نجعل الحياة نسخة قاسية من الأشخاص الذين آذونا
وهذه ربما أعظم مقاومة يمكن أن يمارسها الإنسان في زمن مضطرب:
أن يرفض أن يصبح شبيهاً بما يكره.
إذا أساء إليك أحد، فلا تجعل إساءته تعيد تشكيل أخلاقك.
إذا ظلمك أحد، فلا تجعل الظلم يعلمك الظلم.
إذا خانك أحد، فلا تجعل الخيانة عقيدتك في كل الناس.
إذا افترى عليك أحد، فلا تجعل لسانك نسخة من لسانه.
فالأخلاق ليست أن تعامل الناس كما يعاملونك دائماً؛ الأخلاق أن تختار أنت كيف تكون….
ولعل النزوح علمنا درساً عميقاً في هذا الباب.
حين يترك الإنسان بيته، ويصبح في حاجة إلى يد تمتد إليه، يعرف قيمة اليد التي امتدت في الوقت المناسب.
وحين ينام في مكان ليس مكانه، يعرف معنى أن يفتح له أحدهم باباً.
وحين يفقد الأمان، يدرك أن الكلمة الطيبة قد تكون أحياناً نوعاً من المأوى.
لهذا لا ينبغي أن ننسى ما فعلته بنا الأيام.
لا ينبغي أن تجعلنا القسوة التي رأيناها ننسى الرحمة …
ولا ينبغي أن تجعلنا الخيبات نكفر بكل الناس.
ففي أسوأ الأيام، كان هناك من يطعم، ومن يؤوي، ومن يسأل، ومن يتبرع، ومن يرسل كلمة، ومن يحمل عن غيره بعض ثقله.
وهؤلاء هم الذين يثبتون أن المجتمع لا يعيش بالقوانين وحدها، وإنما يعيش أيضاً بما بين الناس من مروءة ورحمة وتكافل.
إن الأخلاق في النهاية ليست خطاباً عن الآخرين.
إنها حديث الإنسان مع نفسه.
كيف تتعامل مع الضعيف حين تكون قوياً؟
كيف تتعامل مع الموظف الذي لا يستطيع أن يرد عليك؟
كيف تتعامل مع العامل الذي لا يملك إلا أجر يومه؟
كيف تتعامل مع كبير السن؟
مع الطفل؟
مع المختلف معك؟
مع من أخطأ في حقك؟
مع من لا يستطيع أن يقدم لك شيئاً؟
هناك فقط تظهر أخلاقك الحقيقية….
والمجتمع الذي يريد أن ينهض بعد كل هذا الانكسار، لا يحتاج إلى الطرق والمباني والخدمات وحدها، وإن كانت ضرورية.
يحتاج قبل ذلك إلى ترميم الإنسان…
إلى إعادة الثقة.
إلى احترام القانون.
إلى احترام الخصوصية…
إلى رد الحقوق.
إلى حفظ الود حتى في الاختلاف.
وإلى أن نتعلم من جديد أن الناس ليسوا خصوماً دائمين.
قد نختلف اليوم، ثم نحتاج إلى بعضنا غداً.
وقد يغادر أحدنا حياتنا، لكن ما قاله لنا وما فعلناه به سيبقى في ذاكرتنا.
فالحياة أقصر من أن نملأها بالخصومات.
والأيام أسرع من أن نهدرها في تصفية الحسابات.
وما يبقى في نهاية الطريق ليس عدد المعارك التي انتصرنا فيها، ولا عدد الأشخاص الذين أسكتناهم، ولا عدد المنشورات التي حصلت على الإعجابات.
ما يبقى هو الأثر…
ذلك الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.
أن يقول أحدهم بعد غيابك:
كان إنساناً طيباً.
كم هي عظيمة هذه الشهادة، وكم هي قليلة التكلفة.
«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت»…
أن نبقى بشراً ذلك مايصنع الفرق..
انتصار عبدالغني الشايقي
*هذا الكلام أعجبني رأيت فيه درسا وتذكير رأيت أن أهديه لك لمعزتك عندي
*تحياتي وتقديري ومودتي
*مجذوب











