إقتصاد

وزارة الصحة ~ ~ ولاية الخرطوم الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات سلسلة أوراق السياسات الصحية ورقة رقم (39) مركزية الشراء الصحي أداة لضبط الجودة وكبح التكاليف والحد من مخاطر التضخم الأسس النظرية، الواقع الراهن، النماذج الدولية المقارنة، والتوصيات السياساتية مع إشارة خاصة إلى دور الصندوق القومي للإمدادات الطبية وصندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم إعداد: د. محمد إبراهيم عبدالرحمن يوسف

وزارة الصحة ~ ~ ولاية الخرطوم
الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات

سلسلة أوراق السياسات الصحية
ورقة رقم (39)

مركزية الشراء الصحي

أداة لضبط الجودة وكبح التكاليف والحد من مخاطر التضخم

الأسس النظرية، الواقع الراهن، النماذج الدولية المقارنة، والتوصيات السياساتية
مع إشارة خاصة إلى دور الصندوق القومي للإمدادات الطبية وصندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم

إعداد: د. محمد إبراهيم عبدالرحمن يوسف
مدير الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات وزارة الصحة، ولاية الخرطوم
الخرطوم ~~ السودان مارس 2026م

المختصر

1. حين تشتري كل منشأة صحية احتياجاتها منفردةً من السوق المفتوحة، فإنها لا تشتري أدويةً ومستلزمات وأجهزة طبية وقرطاسية وأثاثاً ومواد غذائية للمرضي والعاملين فحسب، بل تشتري تضخماً أيضاً وتُسهم في صنعه. تتناول هذه الورقة مركزية الشراء الصحي من زاوية سياساتية عملية، وتُجيب على سؤال جوهري: لماذا يجب أن يكون قرار الشراء في يد الوزارة لا في يد كل مستشفى على حدة؟

2. تُعالج الورقة إشكالية التشتت الشرائي في المنشآت الصحية بولاية الخرطوم وتداعياتها الممتدة على الكفاءة التشغيلية وجودة الرعاية الصحية وسلامة الإنفاق العام. وتستدل بتجارب دولية موثقة وبالتجربة السودانية المتمثلة في الصندوق القومي للإمدادات الطبية وصندوق الدواء الدائري وادارة الشراء والتعاقد وادارة التنمية والمشروعات بوزارة الصحة بولاية الخرطوم، مع تشخيص الممارسات الراهنة وما أفضت إليه من تدنٍّ في الجودة وارتفاع في التكلفة وتحمّل المريض لأعباء متصاعدة.

3. تُجادل الورقة بأن اعتماد منظومة شراء موحد قائمة على التكامل بين مركزية التعاقد ولامركزية التوزيع ~ عبر منظومة مؤسسية متعددة الأذرع تضم الصندوق القومي للإمدادات الطبية وصندوق الدواء الدائري وإدارة الشراء والتعاقد وإدارة التنمية والمشروعات ~ يُمثّل المسار الأمثل لمعالجة اختلالات السوق الصحي والحد من الاستنزاف الناجم عن الازدواجية والفساد وارتفاع تكاليف المعاملات، مع تحرير المنشآت الصحية للتفرغ لرسالتها الجوهرية في تقديم الرعاية الصحية وفق التميز والطب المبني علي الدليل.

أولاً: المقدمة والمنطلق

4. بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

5. في ولاية الخرطوم وحدها، تشتري عشرات المستشفيات كل يوم أدويةً ومحاليلَ وكواشف مختبرية وأفلام أشعة ومستهلكات ومعقمات وقرطاسية وأجهزة طبية وأثاثاً طبياً وغير طبي، وغذاءات المرضي والعاملين، كل منشأة بمفردها، من سوق يرتفع فيه السعر كلما زاد الطلب المتفرق وضعف التفاوض. هذه ليست مشكلة لوجستية بسيطة، بل هي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل تكلفة الخدمة الصحية ترتفع باستمرار رغم ثبات أو محدودية تعديل سعر تقديمها، الذي يُحدده المجلس التشريعي للولاية أو مجلس الوزراء بالولاية أو مجلس المديرين العامين، ويُجدَّد عادةً سنوياً دون مراعاة كافية لمعدلات التضخم المتسارعة في الاقتصاد، ولا سيما في ظل الأزمات الداخلية والخارجية التي تُسرّع وتيرة تآكل القيمة الشرائية للجنيه السوداني.

6. والمفارقة الحادة أن سعر الخدمة الصحية يظل ضاغطاً نزولاً في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة تقديمها ارتفاعاً مستمراً، ذلك أن جُلَّ المواد الخام اللازمة لتقديم الخدمات الصحية مُقوَّمة بالعملات الأجنبية ولا تُصنَّع محلياً. يُضاف إلى ذلك أن جودة المنتج تتفاوت من منشأة إلى أخرى،وان سعر المنتج يتفاوت من مستشفي الي اخري وتتراوح من ضعفين الي خمسة اضعاف السعر الاصلي وأن طاقة الإداريين في المستشفيات تُستنزَف في أعمال شرائية ينبغي ألا تكون شاغلهم الأول.

7. من موقع الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات تُتابَع هذه الظاهرة عن قرب، ويتّضح أن الحل الهيكلي الحقيقي يكمن في إعادة مركزة قرار الشراء في يد وزارة الصحة، مع تفعيل الأدوات القانونية والمؤسسية الموجودة أصلاً. والمقصود بذلك منظومةٌ متكاملة من الأذرع المؤسسية: الصندوق القومي للإمدادات الطبية وصندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم للأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، وإدارة الشراء والتعاقد بالوزارة للأصناف غير الطبية، وإدارة التنمية والمشاريع لتنفيذ أعمال التأهيل والمشاريع التنموية بالوحدات الصحية. هذه الأذرع ليست مؤسسات ينبغي اختراعها، بل تجربة ناضجة ينبغي تمكينها وتفعيلها وإعادة بنائها بعد ما خلّفته حرب أبريل 2023م من انكسار.

8. ملحوظة هيكلية: صندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم هو النظام الاحتياطي الداعم على المستوى الولائي، يسد الفجوة الإمدادية حين يعجز الصندوق القومي عن الوفاء بمهامه لأي سبب. ويُوصى بتعميم هذا النموذج على جميع الولايات؛ وهو ما أثبتت جدواه حرب الكرامة حين خرج الصندوق القومي عن الخدمة. ويتوافق هذا النموذج مع سياسة الدولة ودستورها الانتقالي وقوانينها ومنهجية الحكم القائمة على المركزية الاتحادية واللامركزية على مستوى الولايات، وقانون الحكم المحلي.

ثانياً: أهداف الورقة

9. تسعى هذه الورقة إلى تحقيق سبعة أهداف متكاملة:

10. الهدف الأول ~ تأسيس الإطار النظري والمرجعي: توفير إطار مرجعي نظري متكامل لمفهوم مركزية الشراء الصحي وآليات اشتغالها استناداً إلى الأدبيات الاقتصادية والصحية الدولية ومعايير منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي.

11. الهدف الثاني ~ تشخيص الواقع الراهن: تحليل وتشخيص الممارسات الشرائية الراهنة في المنشآت الصحية بولاية الخرطوم وتوثيق ما أفضت إليه من تداعيات على جودة الخدمة وتكلفتها واستمراريتها.

12. الهدف الثالث ~ توثيق النموذجين السودانيين: توثيق دور الصندوق القومي للإمدادات الطبية وصندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم بوصفهما نموذجَين سودانيَّين قائمَين واستخلاص دروس الأزمة.

13. الهدف الرابع ~ تحديد الأدوار المؤسسية: تحديد أدوار كل ذراع مؤسسية في منظومة الشراء الموحد، وبخاصة إدارة الشراء والتعاقد وإدارة التنمية والمشاريع ودورهما التكاملي مع الصندوقين.

14. الهدف الخامس ~ الاستفادة من التجارب الدولية: استعراض تجارب دول طبّقت نماذج مزدوجة بين هيئة مركزية اتحادية بمستودعات اقليمية ولائية وصناديق لامركزية واستخلاص آليات نجاحها القابلة للتطبيق في السياق السوداني.

15. الهدف السادس ~ تحليل العلاقة بين التشتت الشرائي والتضخم: تحليل العلاقة البنيوية بين التشتت الشرائي والتضخم في الاقتصاد السوداني وتحديد الآليات التي يُغذّي من خلالها الإنفاق الصحي غير المنضبط الضغوط التضخمية الكلية.

16. الهدف السابع ~ صياغة توصيات سياساتية: صياغة توصيات سياساتية قابلة للتطبيق الفعلي في ولاية الخرطوم ضمن ثلاثة آفاق زمنية متدرجة، تنطلق من الإمكانات المؤسسية المتاحة وترسم مساراً تصاعدياً نحو منظومة شراء موحد مكتملة الأركان.

ثالثاً: تعريف مركزية الشراء الصحي ومن يجب أن يشتري

3-1: تعريف مركزية الشراء في المنظومة الصحية

17. مركزية الشراء في المنظومة الصحية تعني تجميع احتياجات المنشآت الصحية المتعددة ~ مستشفيات ومراكز صحية وتخصصيات ~ في إطار شرائي موحد تديره جهة مركزية واحدة هي وزارة الصحة أو هيئة مُفوَّضة تعمل تحت إشرافها. تُجري هذه الجهة المناقصات، وتتفاوض مع الموردين بقوة الكميات المجمّعة، وتضع معايير الجودة والمواصفات الفنية، وتضمن التوزيع المنصف على جميع المنشآت بأسعار موحدة.(1)

18. والمركزية هنا ليست أحادية الأداة؛ فالأدوية والمستلزمات الطبية شأنٌ يتولاه الصندوق القومي وصندوق الدواء الدائري، فيما تتولى إدارة الشراء والتعاقد إدارة العطاءات الموحدة في سائر الأصناف غير الطبية، وتضطلع إدارة التنمية والمشاريع بتنفيذ أعمال التأهيل والصيانة والمشاريع الرأسمالية وفق معايير موحدة ومركزية التخطيط. الفرق الجوهري بين هذا النموذج والممارسة الراهنة هو الفرق بين مشترٍ واحد قوي يتفاوض بمئة مليار جنيه في السنة، وعشرين مشترياً ضعيفاً يتفاوض كل منهم بخمسة مليارات، في سوق يعرف فيه الجميع أن أحداً لن يتركه دون شراء.

3-2: من يجب أن يشتري ~ الوزارة أم المستشفيات؟

19. هذا السؤال يبدو بسيطاً لكن الإجابة عليه تحمل تبعات هيكلية عميقة. الأدلة الدولية والتجربة المحلية تتقاطعان في جواب واحد: وظيفة المستشفى هي تقديم الرعاية الصحية، لا إدارة سلاسل التوريد ولا التفاوض على عقود الشراء ولا الإشراف على مشاريع التأهيل والبناء.

20. حين تُناط بإدارة المستشفى مسؤولية الشراء، تجد نفسها في مواجهة مضاعفة: إدارة الخدمة الصحية من جهة، وإدارة عملية الشراء كاملةً من البحث عن الموردين إلى التفاوض إلى التحقق من الجودة إلى إدارة المخازن، من جهة أخرى. هذا التداخل يُشغل الوقت الإداري ويُفضي إلى قرارات شرائية قد تُعطي الأولوية للسرعة والتوافر على حساب الجودة والسعر. وتزداد المعادلة تعقيداً حين تتصدى المستشفيات لأعمال التأهيل والمشاريع التنموية منفردةً، دون كفاءات هندسية متخصصة ودون قدرة تفاوضية حقيقية مع المقاولين.

21. في المقابل، حين تتولى الوزارة الشراء الموحد عبر منظومتها المؤسسية يتحرر مدير المستشفى من هذه الأعباء ويتفرغ لما أُنشئ من أجله: جودة الخدمة، وكفاءة العمليات، ورضا المريض. هذا ما تُوصي به منظمة الصحة العالمية والمراجعات المنهجية الدولية التي تُؤكد أن الشراء المركزي أكثر كفاءةً من الشراء اللامركزي في تحقيق وفرات التكلفة وضمان جودة المنتج.(2)

22. وخلاصة القول: إن تحويل المنشآت الصحية من مشترين مستقلين إلى وحدات تقديم خدمة متخصصة ~ تُحدّد احتياجاتها عبر نماذج موحدة وتتلقى مستلزماتها من المنظومة المركزية ~ ليس تضييقاً على صلاحياتها بل تحريراً لطاقتها الإدارية نحو رسالتها الجوهرية.

رابعاً: الأسس النظرية والمرجعية لمركزية الشراء الصحي

4-1: المرجعية الدولية ~ منظمة الصحة العالمية والأدلة المنهجية

23. وضعت منظمة الصحة العالمية منذ عقود معيار إدارة الأدوية والمستلزمات المعروف بـ Managing Drug Supply الذي يُحدد الشراء المركزي المبني على قوائم الأدوية الأساسية ومعايير الجودة المعتمدة بوصفه ركيزةً من ركائز الحصول على الدواء بأسعار معقولة وجودة مضمونة.(1) وقد عزّزت منظمة التجارة العالمية هذا التوجه باتفاقية TRIPS التي أتاحت للدول استخدام آليات التفاوض الجماعي للحصول على أسعار مناسبة للأدوية.

24. تُوثّق مراجعة منهجية منشورة في مجلة BMJ Global Health عام 2017م تجارب دول منخفضة ومتوسطة الدخل، وتخلص إلى نتيجة واضحة: الشراء المركزي أحقق لوفرات التكلفة وتحسين توافر الدواء مقارنةً بأي نموذج لامركزي. وتستشهد المراجعة بنموذج دلهي في الهند حيث أفضى الشراء التجميعي المركزي إلى توفير 30 بالمئة من تكلفة الأدوية على الحكومة ورفع توافر الأدوية الأساسية من أقل من 40 بالمئة إلى أكثر من 90 بالمئة.(3)

4-2: المرتكزات النظرية

25. تستند مركزية الشراء الصحي إلى ثلاثة مرتكزات نظرية رئيسية: الأول هو نظرية اقتصاديات الحجم Scale Economies التي تُقرّ بأن التجميع الكمي يُخفّض تكلفة الوحدة الواحدة من خلال تعزيز القوة التفاوضية مع الموردين. الثاني هو نظرية تكاليف المعاملات Transaction Cost Theory التي طوّرها أوليفر ويليامسون، والتي تُبيّن أن توحيد عمليات الشراء يُقلّص تكاليف التعاقد والتحقق والرقابة. الثالث هو نظرية الوكالة Principal-Agent Theory التي تُشير إلى أن مركزة القرار تُخفّف من مشكلات المعلومات غير المتماثلة وفرص الفساد المترتبة عليها.

26. تُقدّر دراسات منظمة الصحة العالمية أن اعتماد الشراء المركزي قادر على تحقيق وفورات تتراوح بين 15 و52 بالمئة من إجمالي الإنفاق على المستلزمات الطبية في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، وذلك من خلال مساري الكفاءة السعرية وتقليص تكاليف المعاملات.(3، 4)

4-3: الإطار المعياري لحوكمة الشراء الصحي

27. وضع الميثاق الأفريقي لحوكمة الشراء العام الصادر عام 2012م جملةً من المبادئ المعيارية للشراء الصحي الرشيد تشمل: الشفافية في آليات الاختيار والتسعير، والمنافسة العادلة بين الموردين المؤهلين، والفصل بين وظائف الطلب والتعاقد والاستلام والدفع، والمساءلة القابلة للقياس عبر مؤشرات أداء موضوعية، والكفاءة في استخدام الموارد وتعظيم القيمة مقابل المال.

28. ويُضيف إطار البنك الدولي لتحديث نظم الشراء العام MAPS بُعداً جوهرياً يتعلق بقدرة المؤسسات على تطبيق المعايير الإجرائية وتوثيقها، وهو البُعد الذي كثيراً ما يُغفَل في تصميم إصلاحات الشراء في الدول النامية حيث تتوفر الأُطر التشريعية أحياناً دون البنية المؤسسية اللازمة لتطبيقها.

29. غير أن الأدبيات الاقتصادية تُحذّر في الوقت ذاته من مخاطر المركزية المفرطة، ومنها: احتمالات تصلب البيروقراطية وإطالة دورات الشراء، ومخاطر الاعتماد على مورد وحيد Single Source Dependency، والصعوبات المتعلقة بالاستجابة السريعة لحالات الطوارئ. لذلك تُرجّح المدرسة الحديثة في اقتصاديات الصحة نموذجاً هجيناً يجمع بين مركزية التعاقد ولامركزية التوزيع.

خامساً: الممارسات الراهنة في المنشآت الصحية بولاية الخرطوم وما أفضت إليه

5-1: صورة المشهد الراهن

30. في الوضع القائم، تشتري كل منشأة صحية من السوق المفتوح احتياجاتها كاملةً: الأدوية وعلب المحاليل ومواد المختبر وأفلام الأشعة والمستهلكات الجراحية وأدوات النظافة والقرطاسية والأثاث والأجهزة المكتبية، كل صنف على حدة وكل منشأة على انفراد. يختلف المورد من مستشفى إلى آخر، ويختلف السعر من منشأة إلى أخرى، وتختلف معه الجودة أحياناً. فضلاً عن ذلك، تُنفَّذ مشاريع التأهيل والبناء بالوحدات الصحية بصورة متفرقة دون تخطيط مركزي أو إشراف هندسي موحد، مما يُضاعف التكاليف ويُقلل من جودة المخرجات.

31. رصدت تقييمات إدارية داخلية أجرتها وزارة الصحة بالولاية خلال الفترة 2023-2025م أن المنشآت الصحية تعمل وفق ثلاثة أنماط شرائية متداخلة: الشراء المباشر من السوق المحلي للمستلزمات الطارئة، والتعاقد الفردي مع موردين محددين للمستلزمات الدورية، واللجوء إلى المخزون المركزي للولاية لبعض الأدوية الأساسية. ويعمل النمطان الأول والثاني في غياب شبه تام للرقابة المعيارية.

32. ويُلاحَظ غياب نظام معلومات شرائي موحد يُمكّن من تتبع الحجم الفعلي للإنفاق وهويات الموردين وآليات التسعير ومستويات المخزون على المستوى الولائي؛ مما يُعمّق حالة الغموض المعلوماتي ويُصعّب أي محاولة لإصلاح منهجي قائم على الأدلة.

5-2: تداعيات التشتت الشرائي

33. أولاً ~ تدني الجودة: المورد الذي يتعامل مع مستشفى واحد يعلم أن فقدان هذا العقد لن يُشكّل أزمة لأحد. أما الشركة التي تتعامل مع جهة مركزية تمثل عشرات المنشآت فتعلم أن الإخلال بالمعايير سيُنهي عقدها كاملاً. كشفت مقارنات سعرية وجودية على عينة من المستلزمات الطبية الأساسية في منشآت متعددة عن تفاوت في أسعار الشراء يتراوح بين 40 و120 بالمئة للمنتج الواحد بين منشأة وأخرى، لا تُبرّره اختلافات في المواصفات بل يعكس غياب الرقابة السعرية وضعف القوة التفاوضية الفردية.

34. ثانياً ~ ارتفاع التكلفة: الشراء المتفرق لا يُتيح الاستفادة من اقتصاديات الحجم. وقد وثّقت الأدلة الدولية أن الشراء المركزي يُحقق تخفيضات في السعر تتراوح بين 15 و50 بالمئة مقارنةً بالشراء الفردي للكميات الصغيرة، حسب طبيعة المنتج ودرجة المنافسة في السوق.(4) كما أن تراكم المخزون في بعض المنشآت وانتهاء صلاحيته يُمثّل هدراً مالياً مباشراً كان يمكن تفاديه بآلية إعادة توزيع مركزية.

35. ثالثاً ~ استنزاف الطاقة الإدارية وتشتيت دور المستشفى: وقت وجهد مدير المستشفى يُصرف في البحث عن موردين وتدارس عروض وإدارة مخازن ومتابعة فواتير ومفاوضة مقاولين، بدلاً من متابعة جودة الخدمة الصحية ومعالجة الاختناقات التشغيلية. وتتجلى هنا الفرصة الكبرى لمركزية الشراء: تحرير الطاقة الإدارية للمنشآت لتتفرغ لرسالتها الجوهرية في تقديم الرعاية الصحية بدلاً من الخوض في متاهات الشراء المشتت، وهو ما تُوصي به منظمة الصحة العالمية صراحةً بوصفه أحد المكاسب الجوهرية للنموذج المركزي.(2)

36. رابعاً ~ المساهمة في التضخم والسوق الموازي: حين تُسارع عشرات المستشفيات إلى شراء نفس المنتج في نفس الوقت من نفس السوق المحلية، ترتفع الأسعار. وتزداد المعادلة سوءاً حين يتدخل وسطاء غير رسميين يُضيفون هوامش ربح متعددة الطبقات، ويُقدّر بعض الباحثين أن هذه الهوامش غير الرسمية قد تضاعف التكلفة النهائية للمستلزم الطبي في أشد بيئات الشراء المشتّتة.

37. خامساً ~ مخاطر الجودة وعدم الامتثال للمعايير: في غياب إجراءات تحقق مركزية من مواصفات المنتجات ومصادر التوريد وشروط التخزين، تتصاعد مخاطر تسلل منتجات مغشوشة أو منتهية الصلاحية أو مخزّنة بظروف غير ملائمة إلى المنشآت الصحية الحكومية.

سادساً: الصندوق القومي للإمدادات الطبية ~ الذراع الاتحادية

6-1: نشأة الصندوق ومساره المؤسسي

38. الصندوق القومي للإمدادات الطبية هو الذراع الاتحادية لشراء الدواء والمستلزمات الطبية في السودان. يعمل الصندوق في إطار سياسة التعافي الذاتي للتكاليف Cost Recovery التي اعتمدتها الحكومة منذ عام 1991م في جميع المرافق الصحية العامة.(7) وقد تطوّر الصندوق مؤسسياً حتى صدر قانون الصندوق القومي للإمدادات الطبية عام 2015م، الذي أضفى عليه الشخصية القانونية المستقلة وأوكل إليه مسؤولية الشراء والإمداد والصيانة للأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية لجميع المنشآت الصحية الحكومية وفي حالة قيام صناديق الدواء الدائري الولاىية كتجربة ولاية الخرطوم يجب ان يتعامل الصندوق القومي للامدادات الطبية مع الصناديق الولاىية وليس المستشفيات كما ليس من المنطق تعامله مباشرة مع الجمهور عبر صيدليات شعبية فهي من صميم واجبات ومهام وزارات الصحة بالولايات.

39. يتولى الصندوق الشراء والتخزين والتوزيع للأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية والمعدات لجميع الصناديق الولاىية ، ويُعدّ الصندوق القومي للتأمين الصحي من أكبر عملائه. وقد أثبت الصندوق قدرته على الاستمرار بمواردذاته حيث دار قرابة ثلاثة عقود دون ضخ تمويل حكومي أو دولي إضافي، مُغطياً تكاليف شرائه التي بلغت 350 مليون دولار عام 2018م من إيراداته الخاصة. وقد كشفت دراسة فاعلية التكلفة في سلسلة توريد الصندوق للفترة 2011-2014م أن نظام التوريد المركزي يُحقق مؤشرات أداء أفضل في التوافر والتغطية والقدرة على الشراء مقارنةً بالشراء الفردي للمنشآت.(7)

6-2: دور الصندوق خلال حرب الكرامة

40. اندلاع الحرب في أبريل 2023م وخروج الصندوق عن الخدمة لما يقارب ثمانية عشر شهراً خلّف فراغاً إمدادياً حاداً. حين توقف الصندوق وجدت المستشفيات نفسها في مواجهة السوق مباشرةً دون حماية تفاوضية، فارتفعت الأسعار وتدهورت الجودة وتعطلت الخدمات. وقد وثّقت الأبحاث المنشورة أن اندلاع الحرب أوقف استيراد الدواء في أشهره الأولى بصورة شبه كاملة جراء إغلاق المطارات، مما أوجد أزمة دوائية إنسانية حادة.(8)

6-3: ما ينبغي أن يكون عليه الصندوق

41. الصندوق بعد إعادة تعافيه ينبغي ألا يقتصر دوره على التوريد السلبي. يجب أن يتحول إلى ذراع استراتيجية للوزارة الاتحادية تقوم بتقدير الاحتياجات السنوية مسبقاً وعقد اتفاقيات إطارية مع الموردين وضمان تخزين احتياطي كافٍ لستة أشهر على الأقل، وأن يمتلك خطة طوارئ إمداد محكمة تُفعَّل تلقائياً عند أي انقطاع، مع بروتوكول تنسيق واضح مع الصناديق الولائية كصندوق الدواء الدائري.

سابعاً: صندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم ~ نموذج الولاية

7-1: تاريخ الصندوق وأهميته

42. صندوق الدواء الدائري بولاية الخرطوم تجربة سودانية رائدة وفريدة في محيطها الإقليمي. أُسّس الصندوق عام 1987م بالدعم المالي والفني من منظمة رعاية الطفولة البريطانية، للتغلب على النقص المزمن في أدوية المرافق الصحية بالولاية.(9) نظامه قائم على مبدأ بسيط وذكي: تُستخدم حصيلة بيع الأدوية لشراء دفعة جديدة، فتدور الدورة دون الحاجة إلى تمويل حكومي مستمر، وفق مبدأ التمويل الذاتي Revolving Drug Fund الذي أرسته توصيات مؤتمر باماكو عام 1987م.

43. منذ الاستثمار الأولي عام 1987م، اعتمد الصندوق على إيراداته من مبيعات الأدوية لشراء المزيد منها بأسعار أفضل مُحافظاً على التشغيل الذاتي المستدام، ويخدم الصندوق ملايين المرضى سنوياً عبر شبكة تضم أكثر من 220 منشأة صحية بأسعار موحدة بصرف النظر عن بُعد المنشأة عن المركز.(9، 10) ما يُميّز الصندوق عن أي نموذج شراء فردي ثلاثة أشياء: السعر الموحد عبر الولاية، وضمان استمرار الإمداد بصرف النظر عن القدرة الآنية للمنشأة على الدفع، والشراء التجميعي بكميات تضمن أسعاراً أفضل وجودة مراقبة.

7-2: دور الصندوق بوصفه خط دفاع بديلاً عند عجز الإمدادات الاتحادية

44. في كل مرة يعجز فيها الصندوق القومي عن التوريد لأي سبب ~ تمويلياً كان أم لوجستياً أم حربياً كما في 2023م ~ يُفترض أن يُفعَّل صندوق الدواء الدائري بوصفه ذراع الولاية الاحتياطية للتوريد الموحد. مسؤوليته في هذا الوضع ليست توفير الدواء فحسب، بل توفيره بسعر ضابط يمنع المنشآت من اللجوء إلى السوق المفتوح بأسعاره المتذبذبة. ويُوصى بتعميم هذا النموذج على جميع الولايات.

7-3: دروس الأزمة وما ينبغي تحصينه

45. كشفت حرب أبريل 2023م أن التعافي التلقائي للصندوق غير مضمون حين تُغلق المطارات وتنقطع طرق التوريد. لذا ينبغي أن تتضمن خطة الطوارئ الإمدادية لولاية الخرطوم ثلاثة مستويات: مخزون احتياطي استراتيجي يكفي لستة أشهر، وبروتوكول شراء محلي طارئ محدد المصادر والمواصفات، وتنسيق مع الجهات الدولية الشريكة لضمان استمرار التدفق في أوقات الأزمات.

46. تُظهر تجربة الصندوق أيضاً هشاشة نموذج التدوير في ظل التضخم المرتفع؛ إذ يُآكل التضخم القيمة الشرائية للعائدات المُعاد تدويرها بصورة أسرع مما تتسع له دورة الاستبدال. وتُشير بيانات وزارة الصحة بالولاية إلى أن عدداً من الصناديق الفرعية على مستوى المنشآت شهدت استنزافاً جزئياً لرأس مالها خلال موجات التضخم الحادة بين عامَي 2019 و2023م، مما يستوجب آلية مؤشرة Indexation لتصحيح قيمة رأس المال دورياً.

ثامناً: الأدوار المؤسسية في منظومة الشراء الموحد

8-1: إدارة الشراء والتعاقد ~ المظلة الموحدة للأصناف غير الطبية

47. إلى جانب الدور المحوري الذي يضطلع به الصندوق القومي وصندوق الدواء الدائري في توريد الأدوية والمستلزمات الطبية، تُمثّل إدارة الشراء والتعاقد بوزارة الصحة الذراعَ المؤسسية المسؤولة عن توحيد الشراء في الأصناف الأخرى التي لا تقل أثراً على تكلفة الخدمة الصحية. وتشمل هذه الأصناف: القرطاسية والمستلزمات المكتبية، والمواد الغذائية المخصصة للمرضى والعاملين، والأثاث الطبي وغير الطبي، والأجهزة والمعدات غير الطبية.

48. تُجري الإدارة عطاءات تنافسية مركزية لصالح جميع المنشآت الصحية الحكومية، وتُوقّع عقوداً إطارية Framework Contracts مع الموردين المؤهلين، وتُراقب الأسعار وجودة التسليم. وفي سياق منظومة الشراء الموحد، تُحوَّل المنشآت من مشترين مستقلين إلى وحدات طلب Requisitioning Units تُحدد احتياجاتها عبر نماذج موحدة ومواعيد محددة مسبقاً دون الخوض في إجراءات الشراء بذاتها.

49. ويتطلب بناء قدرات هذه الإدارة استثماراً مقصوداً في: الكوادر البشرية المتخصصة في قانون العقود والتفاوض والتقييم التقني، ونظام معلومات شرائية مدمج يُتيح الرصد الآني لمراحل التعاقد، وآليات تدقيق داخلي مستقلة للتحقق من سلامة الإجراءات.

8-2: إدارة التنمية والمشاريع ~ مركزية البناء والتأهيل

50. أعمال التأهيل والصيانة والمشاريع التنموية في الوحدات الصحية باتت تُمثّل عبئاً إضافياً تتحمله المنشآت بصورة فردية وغير مخططة؛ فيُنفَّذ مشروع تأهيل في مستشفى بمبلغ ومواصفات تختلف عن نظيره في مستشفى مجاور، وكثيراً ما تُطرح العقود على مقاولين دون منافسة حقيقية. وتُعدّ إدارة التنمية والمشاريع بالوزارة الجهة الأمثل للنهوض بهذه المهمة، إذ تملك الكفاءة الهندسية وتُجري دراسات الجدوى وتُشرف على التنفيذ وتتفاوض بقوة حجم المشاريع المجمّعة مع المقاولين.

51. يُتيح دمج إدارة التنمية والمشاريع ضمن منظومة الشراء الموحد مزايا عدة: أبرزها تحقيق التناسق بين قرارات اقتناء التجهيزات وخطط الطاقة الاستيعابية للمنشآت، وضمان التوحيد القياسي في المواصفات التقنية للأجهزة مما يُيسّر الصيانة والتدريب، والاستفادة من التفاوض المجمّع في صفقات التجهيز الكبرى. كما تضطلع هذه الإدارة بمهمة إدارة بنود الشراء الممولة خارجياً من الجهات المانحة الثنائية أو صناديق التمويل الدولي.

8-3: آلية التكامل بين أذرع المنظومة

52. يشترط نجاح منظومة الشراء الموحد وجود آلية تنسيق واضحة تمنع الازدواج وتضمن الترابط بين قرارات أذرع المنظومة الأربعة. ويقتضي ذلك في الحد الأدنى: لجنة مشتركة لمراجعة الخطط الشرائية السنوية وتنسيقها، ونظاماً معلوماتياً موحداً للأصول والمخزون، وبروتوكولات تشغيلية للتعامل مع أولويات الطوارئ التي تستدعي تدخلاً متزامناً، ونظام إلكتروني لإدارة المخزون يُتيح للمركز رؤية لحظية لمستويات التخزين في كل منشأة.

تاسعاً: تجارب دولية في النموذج المزدوج ~ هيئة مركزية وصناديق لامركزية

9-1: المملكة العربية السعودية ~ NUPCO مع صناديق القطاعات

53. أنشأت المملكة العربية السعودية الشركة الوطنية الموحدة للمستلزمات الطبية NUPCO لتكون الذراع الاتحادية المركزية للشراء والتخزين والتوزيع لجميع مستشفيات القطاع الحكومي، وتُجري مناقصات موحدة لأكثر من ثلاثين ألف صنف طبي وصيدلاني. في المقابل، تحتفظ وزارات الصحة والخدمات الطبية للقطاعات المختلفة بصناديق شراء داخلية مستقلة تُغطي احتياجاتها الخاصة وفق آليات تنسيق مع NUPCO. آليات النجاح: تحديد اختصاص كل مستوى بوضوح قانوني، وقيادة تنفيذية متخصصة، ومنصة رقمية موحدة لإدارة المخزون عبر القطاعات.(11)

9-2: الصين ~ NCDP مع الصناديق الإقليمية

54. أطلقت الصين عام 2018م برنامج الشراء الوطني المركزي للأدوية NCDP الذي يُغطي الأدوية عالية الاستهلاك بمناقصات تنافسية مركزية، فيما تتولى صناديق صحية إقليمية في كل مقاطعة شراء الأدوية المتخصصة وغير المشمولة بالبرنامج الوطني. قلّص البرنامج أسعار الأدوية بمتوسط 52 بالمئة، وأفضى إلى تراجع 10.6 بالمئة في الإنفاق الصحي للأسرة وفق دراسة محكمة عام 2024م.(12) آليات النجاح: التدرج في التوسع، والفصل الواضح بين أصناف المستوى الوطني وأصناف المستوى الإقليمي، وإلزام المستشفيات قانونياً بالشراء من القوائم المعتمدة.

9-3: رواندا ~ Rwanda Medical Supply مع مستودعات المقاطعات

55. تتولى هيئة الإمدادات الطبية الرواندية RMS الشراءَ الموحد للأدوية الأساسية واللقاحات والمستلزمات الحيوية على المستوى الاتحادي. وفي الوقت ذاته، تعمل مستودعات صحية موزّعة على مستوى المقاطعات بوصفها وحدات إمداد لامركزية مُقتطعة من المخزون المركزي، وتُدير الاحتياجات المحلية ضمن قوائم الأصناف المعتمدة مركزياً. أتاح هذا النموذج بلوغ معدلات توافر دواء تتجاوز 85 بالمئة في المنشآت الصحية الريفية النائية.(15، 16)

9-4: غانا ~ Ghana Health Service Supply Chain مع المستودعات الإقليمية

56. أسّست غانا نظام سلسلة توريد الخدمات الصحية على المستوى الوطني، مع إبقائها على مستودعات صحية إقليمية تعمل تحت إشرافه لضمان التوزيع في المناطق النائية ذات الكثافة المنخفضة والبُعد الجغرافي. أثبت هذا النموذج المزدوج أنه يُقلل من مخاطر انقطاع سلسلة الإمداد ويُوفر مرونة تشغيلية لا تستطيع المركزية الكاملة وحدها تحقيقها. آليات النجاح: خريطة إمداد إقليمية تُحدَّث سنوياً، وإدارة مخزون بمعيار الستة أشهر الاحتياطي، وفرق تفتيش متنقلة من المستوى الوطني.(3، 4)

9-5: الهند والبرازيل

57. طبّقت دلهي عام 1997م سياسة دوائية شاملة تضمنت قائمة أدوية أساسية ونظام شراء تجميعي مركزي، وأسفرت عن وفورات 30 بالمئة في تكلفة الأدوية ورفع توافر الأدوية الأساسية من أقل من 40 إلى أكثر من 90 بالمئة.(3) وفي السياق ذاته، طبّقت وزارة الصحة البرازيلية سياسة تفاوض مركزي على أدوية الأمراض المزمنة وأدوية الإيدز، فأسفرت عن تراجع 79 بالمئة في التكلفة السنوية للعلاج بمضادات الفيروسات القهقرية خلال ست سنوات.(3)

9-6: آليات النجاح المشتركة عبر التجارب الدولية

58. تكشف هذه التجارب مجتمعةً عن خمسة شروط لنجاح النموذج المزدوج: أولاً، الفصل القانوني الواضح بين ما يُشترى مركزياً وما تتولاه الصناديق الولائية. ثانياً، نظام معلوماتي لوجستي مشترك يربط المستويين. ثالثاً، قيادة تنفيذية متخصصة ومحاسَبة على النتائج في كل مستوى. رابعاً، مخزون احتياطي استراتيجي لا يقل عن ستة أشهر على المستوى الوطني وثلاثة أشهر على المستوى الولائي. خامساً، إلزام قانوني للمنشآت بعدم الشراء الفردي خارج المنظومة إلا في حالات الطوارئ القصوى وبضوابط محددة.

عاشراً: مركزية الشراء وعلاقتها بالتضخم في الاقتصاد السوداني

10-1: السياق الاقتصادي الكلي

59. يُعاني الاقتصاد السوداني من تضخم مزمن وصل إلى 146 بالمئة عام 2023م، ويُحدد تقرير بنك التنمية الأفريقي أن أكثر من 40 بالمئة من هذا التضخم تُفسّره المتغيرات السياساتية المحلية، في مقدمتها توسع عرض النقود وضعف سعر الصرف.(5، 6) وقد تفاقم الوضع مع اندلاع حرب الكرامة في أبريل 2023م حين تجاوز معدل التضخم 300 بالمئة في فترات متعاقبة، مما أحدث تحولات جوهرية في بنية التكاليف لجميع القطاعات بما فيها الصحة.

10-2: آليات الإسهام في التضخم

60. حين تشتري المنشآت الصحية الحكومية من السوق المفتوح بصورة متفرقة وغير مخطط لها تظهر ثلاث آليات مُغذّية للتضخم: الأولى ضخ الطلب المتقطع الذي يُحفّز رفع الأسعار فيما المعروض ثابت. والثانية ضعف التخطيط الإمدادي مما يؤدي إلى شراء متسرع بأسعار مرتفعة. والثالثة تغذية الاقتصاد غير الرسمي حين يشتري المستشفى من وسطاء لا من الموردين الأصليين فتتضاعف هوامش الربح على حساب المريض والاستقرار السعري.

61. في المقابل، حين تتولى جهة مركزية الشراء بعقود سنوية مخططة مع موردين معتمدين، يُصبح الطلب متوقعاً ومنتظماً، وتنخفض هوامش الوسطاء، وتتحسن قدرة المورد على التخطيط لإنتاجه وتوريده بتكلفة أقل. هذا لا يُلغي التضخم لكنه يُزيل أحد محركاته الهيكلية، ويُتيح للدولة تأمين كميات كبيرة بأسعار ثابتة مسبقاً عبر عقود طويلة الأجل تُشكّل هامشاً وقائياً في مواجهة الصدمات السعرية.

الحادي عشر: فوائد مركزية الشراء ~ خلاصة الأدلة

62. المحور الأول ~ الوفر المالي: تُحقق مركزية الشراء وفراً في التكلفة يتراوح بين 15 و52 بالمئة حسب نوع المنتج والسياق، عبر استثمار الكميات الكبيرة في التفاوض وتقليص طبقات الوساطة.(3، 4، 12)

63. المحور الثاني ~ ضمان الجودة: الشراء المركزي يُتيح وضع معايير فنية موحدة مُلزِمة للموردين، ويُمكّن من إجراء اختبارات جودة دورية على العينات، وهو ما يصعب تحققه في الشراء المتفرق.(1)

64. المحور الثالث ~ ضمان الاستمرارية والتوافر: التخطيط المركزي يُتيح رصد المخزون ورفع الطلبيات قبل نضوبه، بينما الشراء الفردي يعمل في الغالب في وضع رد الفعل لا الاستباق.(3)

65. المحور الرابع ~ تفريغ المستشفيات لدورها الجوهري: حين لا يُشغَل مدير المستشفى بمهام الشراء واللوجستيات وإدارة مشاريع التأهيل تتحسن جودة الرقابة على الأداء الطبي وعلى تجربة المريض.(2)

66. المحور الخامس ~ الشفافية ومكافحة الفساد: الشراء المركزي عبر مناقصات علنية أصعب فساداً من عشرات العمليات الشرائية المتفرقة التي تُجريها المنشآت منفردةً، إذ تُضيّق المركزية فرص الفساد الصغير الموزَّع.(13)

الثاني عشر: التوصيات السياساتية

12-1: الإطار التوجيهي للتوصيات

67. تنطلق التوصيات التالية من مسلّمة أساسية مفادها أن الإصلاح الشرائي في ولاية الخرطوم يجب أن يكون تدريجياً وواقعياً ومتوافقاً مع القدرات المؤسسية المتاحة، مع رسم أفق طموح للمرحلة التالية. كما تُراعي هذه التوصيات السياق الاستثنائي لمرحلة ما بعد حرب الكرامة الذي يفرض متطلبات إعادة بناء متداخلة تشمل البنية المؤسسية والبشرية معاً. وتُنظَّم التوصيات على محاور ثلاثة: توصيات فورية قصيرة المدى، وتوصيات تأسيسية متوسطة المدى، وتوصيات استراتيجية بعيدة المدى.

التوصيات الفورية ~ المدى القصير (أقل من 6 أشهر)

68. التوصية الأولى ~ إقرار سياسة مركزية الشراء بقرار وزاري مُلزِم: إصدار قرار واضح يُحدد أن الشراء الموحد للأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية مسؤولية وزارة الصحة عبر آلياتها المركزية، وأن الأصناف غير الطبية تتولاها إدارة الشراء والتعاقد، وأن المنشآت لا تُجري شراءً مستقلاً إلا في حالات الطوارئ القصوى وبضوابط محددة. الجهة المسؤولة: وزير الصحة ورئاسة وزارة الصحة ولاية الخرطوم.

69. التوصية الثانية ~ وضع قائمة أصناف أساسية موحدة: إعداد قائمة أصناف موحدة ومحدَّثة للأدوية والمستلزمات تُلزَم بها المنشآت، وتُحدَّث سنوياً وفق الاحتياج الفعلي. الجهة المسؤولة: إدارة الصيدلة ولجنة الأدوية بوزارة الصحة الولائية.

70. التوصية الثالثة ~ تفعيل آلية تنسيق مع الصندوق القومي: تفعيل قناة تنسيق مباشرة ومنتظمة بين وزارة الصحة بالولاية والصندوق القومي للإمدادات الطبية، تُحدَّد من خلالها حصة الولاية من المشتريات المركزية الاتحادية وآليات طلبها واستلامها وتوثيقها، مع بروتوكول للتعامل مع حالات التأخر أو النقص. الجهة المسؤولة: وزارة الصحة ولاية الخرطوم بالتنسيق مع وزارة الصحة الاتحادية والصندوق القومي للامدادات الطبية.

71. التوصية الرابعة ~ تفعيل دور إدارة الشراء والتعاقد في الشراء الموحد للأصناف غير الطبية: تكليف إدارة الشراء والتعاقد رسمياً بإجراء عطاءات مركزية موحدة للقرطاسية والمواد الغذائية والأثاث والأجهزة غير الطبية ومواد النظافة وغيرها لصالح جميع المنشآت الصحية الحكومية في الولاية، وإلزام المنشآت بتقديم احتياجاتها الدورية وفق نماذج موحدة ومواعيد محددة مسبقاً. الجهة المسؤولة: وزارة الصحة ولاية الخرطوم.

72. التوصية الخامسة ~ تفعيل دور إدارة التنمية والمشاريع في التأهيل: إنهاء تعاقد المنشآت الصحية منفردةً مع المقاولين، وتحويل هذه المهمة إلى إدارة التنمية والمشاريع لتتولى تخطيط المشاريع وإجراء عطاءاتها المركزية والإشراف على تنفيذها بمعايير موحدة. الجهة المسؤولة: وزارة الصحة ولاية الخرطوم.

التوصيات التأسيسية ~ المدى المتوسط (6 أشهر ~ 3 سنوات)

73. التوصية السادسة ~ تفعيل صندوق الدواء الدائري وتوسيع صلاحياته: تكليف الصندوق رسمياً بالشراء الموحد للأدوية والمستلزمات لجميع المنشآت الصحية الحكومية في الولاية، مع تزويده بالتمويل اللازم وتحديث قائمة أصنافه لتشمل محاليل المعامل ومستهلكات الأشعة والمستلزمات الجراحية الأساسية. الجهة المسؤولة: وزارة الصحة ولاية الخرطوم.

74. التوصية السابعة ~ إنشاء نظام إلكتروني موحد لإدارة المخزون: ربط جميع المنشآت الصحية بمنظومة إلكترونية موحدة لإدارة المخزون تُتيح للمركز رؤية لحظية لمستويات التخزين في كل منشأة وتُمكّن من رفع الطلبيات التجميعية في الوقت المناسب، مع الاستفادة من المنصات مفتوحة المصدر المتاحة كـ OpenLMIS أو ما شابهها. الجهة المسؤولة: الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات.

75. التوصية الثامنة ~ إصلاح نموذج صندوق الدواء الدائري لمقاومة التضخم: إعادة هيكلة صناديق الدواء الدائري وفق نموذج مُعدَّل يتضمن آلية مؤشرة Indexation تُصحّح قيمة رأس المال وفق معدل التضخم دورياً، وضخ رأس مال إضافي دوري من ميزانية الولاية بما يُعادل أثر التضخم، مع إخضاع حركة هذه الصناديق لرقابة مركزية. الجهة المسؤولة: وزارة الصحة ولاية الخرطوم ووزارة المالية.

76. التوصية التاسعة ~ التخزين طويل المدى كآلية حماية من التضخم واستدامة الخدمة: يُوصى باعتماد سياسة مخزون استراتيجي طويل المدى للأدوية والمستلزمات الأساسية لا تقل مدته عن ستة أشهر على المستوى الولائي وثلاثة أشهر على مستوى المنشأة. يُحقق هذا المخزون الاستراتيجي غايتين متلازمتين: أولاهما الحماية من التضخم إذ يُتيح الشراء المسبق بأسعار مرجعية أقل قبل موجات الارتفاع السعري، وثانيتهما استدامة الخدمة الصحية في أوقات الأزمات كالنزاعات والحروب وانقطاع سلاسل الإمداد الدولية. وتُشير تجارب غانا ورواندا وكينيا إلى أن المخزون الاستراتيجي يُعدّ من أهم مكونات خطة الطوارئ الإمدادية، وأن تكلفة الاحتفاظ به تبقى أقل بكثير من تكلفة الشراء الطارئ بأسعار السوق المفتوح.

77. التوصية العاشرة ~ الشراكة مع القطاع الخاص في توفير التمويل: يُوصى باستكشاف نماذج شراكة القطاع العام والخاص Public-Private Partnership في تمويل المستلزمات الطبية وتشغيل المستودعات والخدمات اللوجستية. وتُتيح نماذج الشراكة هذه جذب تمويل تكميلي لا يُضغط على ميزانية الوزارة المحدودة، وتُوظّف الكفاءات التشغيلية للقطاع الخاص في الخدمات المساندة كالتخزين والتوزيع والصيانة، مع الإبقاء على سيطرة الجهة العامة على قرارات الشراء الاستراتيجية وتحديد الأسعار ومعايير الجودة. وتُجسّد تجربة NUPCO السعودية وتجربة Rwanda Medical Supply نماذج ناجحة لإشراك القطاع الخاص دون التنازل عن الهدف الصحي العام.
وزارةةالصحة ولاية الخرطوم في هذه التوصية عملت عقد شراكة ذكية مع منظومة الصناعات الدفاعية ضمن استراتيجية PPP
للاستفادة من المقدرة التمويلية للمنظومة في مشاريع استثمارية تدر علي الوزارة موارد مالية تخفف علي وزارة المالية الصرف علي الصحة وتجود الخدمات الصحية وتستبقي الكوادر الصحيةمنذ العام 2022 ولكن لم تر النور حتي الان.

78. التوصية الحادية عشرة ~ ربط أسعار الخدمة الصحية بتكاليف الشراء المركزي: مراجعة قوائم أسعار الخدمة الصحية بشكل دوري وربطها بالتكلفة الفعلية للمستلزمات وفق الأسعار المركزية لا أسعار السوق المفتوح، مما يُتيح استقراراً سعرياً أطول أمداً. الجهة المسؤولة: مجلس المديرين العامين بولاية الخرطوم ( المجلس التشريعي) بالتنسيق مع وزارة الصحة.

التوصيات الاستراتيجية ~ المدى البعيد (3 ~ 5 سنوات)

79. التوصية الثانية عشرة — إعادة بناء الصندوق القومي للإمدادات الطبية: إعادة تشغيل الصندوق بقدرات تخزينية تُغطي ستة أشهر من الاحتياج الاتحادي، مع وضع خطة طوارئ إمداد تُفعَّل تلقائياً عند أي انقطاع تتضمن بروتوكول تنسيق مع الصناديق الولائية، حيث يلزم الدواء الدائري بتوفير الفجوة في الادوية والمستلزمات الطبية بسبب عدم توفرها بالصندوق القومي للامدادات الطبية من المكون الولائ بمافي ذلك العلاج المجاني والعمل على تعميم نموذج صندوق الدواء الدائري على جميع الولايات. الجهة المسؤولة: وزارة الصحة الاتحادية بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.

80. التوصية الثالثة عشرة ~ التقنين التشريعي لمنظومة الشراء الموحد: تبنّي إطار تشريعي ولائي يُقنّن منظومة الشراء الصحي الموحد ويُحدّد بوضوح صلاحيات كل ذراع مؤسسية وعلاقتها بالصندوق القومي وبالمنشآت الصحية، وآليات المساءلة والعقوبات على التحايل على منظومة الشراء الموحد. ويُنسَّق هذا الإطار مع الأطر التشريعية الاتحادية ذات الصلة.

81. التوصية الرابعة عشرة ~ بناء قدرة المراجعة المستقلة: إنشاء وحدة مراجعة تقنية مستقلة أو التعاقد مع جهة مراجعة خارجية مؤهلة تُصدر تقارير دورية شفافة عن أداء منظومة الشراء الموحد، وتُقيّم مدى تحقيق مستهدفات الكفاءة السعرية والإجرائية. الجهة المسؤولة: ديوان المراجعة الولائي بالتنسيق مع وزارة الصحة.

82. التوصية الخامسة عشرة ~ تطوير الصناعة الدوائية المحلية: التنسيق بين وزارة الصحة بالولاية ووزارة الصناعة ووزارة الصحة الاتحادية نحو سياسة تحفيزية لتطوير الصناعة الدوائية المحلية، بهدف تغطية توفير الادوية الاساسية بنسبة اكثر من 65% كحد ادني من الادوية الاساسية ونسبة 100% للادوية المنقذة للحياة للامان الدوائ الذي يمثل الامن القومي حسب معايير منظمة الصحة العالمية إذ يُشكّل ضعف الإنتاج الوطني مصدر الهشاشة الأشد وطأة في منظومة الإمداد الصحي وأكثرها عُرضةً للتضخم المستورد ويهدد الامن القومي الصحي.

83.التوصية السادسة عشرة — تأهيل الموردين والمقاولين وبناء قاعدة بيانات المورّدين المعتمدين
يُوصى بإنشاء سجل ولائي للموردين المعتمدين Approved Vendor List يشمل موردي الأدوية والمستلزمات الطبية وموردي السلع والخدمات غير الطبية والمقاولين المتخصصين في تأهيل وصيانة المنشآت الصحية، وذلك وفق معايير تأهيل موضوعية تشمل: السجل التجاري والوضع القانوني، والسعة التخزينية والتوزيعية، والسجل التاريخي في الالتزام بالمواصفات والمواعيد، وشهادات الجودة المعتمدة حيثما انطبقت، والملاءة المالية الكافية للوفاء بالعقود الكبيرة.
وتتجلى فوائد هذا السجل في سبعة محاور: أولاً، اختصار دورة الشراء إذ لا تحتاج إدارة الشراء والتعاقد إلى التحقق من أهلية الموردين في كل مناقصة بل تنطلق مباشرةً من قائمة معتمدة. ثانياً، الحد من فرص الفساد الناجم عن قبول موردين مجهولين بلا سجل موثّق. ثالثاً، تعزيز المنافسة الحقيقية بين موردين مؤهلين ذوي كفاءة متقاربة بدلاً من المنافسة الشكلية التي قد تفوز فيها الأسعار المنخفضة على حساب الجودة. رابعاً، بناء علاقات تعاقدية مستقرة ومتكررة مع الموردين مما يُحفّزهم على تقديم أسعار أفضل لعميل موثوق ودائم. خامساً، تمكين المحاسبة اللاحقة إذ يُتيح السجل سحب الاعتماد من أي مورد أو مقاول أخلّ بالتزاماته التعاقدية واستبعاده من المناقصات المستقبلية. سادساً، توجيه الإنفاق الحكومي نحو تنمية القطاع الخاص المحلي المنظّم عبر تفضيل الموردين والمقاولين المحليين المؤهلين في حدود تنافسية معقولة. سابعاً، الاستعداد للطوارئ من خلال وجود قائمة موردين احتياطيين معتمدين مسبقاً يُفعَّلون فور انقطاع الموردين الأساسيين في أوقات الأزمات.
الجهة المسؤولة: إدارة الشراء والتعاقد بالتنسيق مع الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات. المُهلة الزمنية: ستة أشهر لإطلاق الدورة الأولى من التأهيل.

الثالث عشر: الخاتمة

84. حين يُعطى مدير المستشفى صلاحية الشراء المستقل دون أدوات تفاوض ولا معايير جودة ملزمة ولا تخطيط مركزي، فإنه يجد نفسه كمن يُكلَّف ببناء منزل وتوفير مواده في آنٍ واحد ~ لن يُجيد الاثنين معاً.

85. مركزية الشراء ليست تمركزاً بيروقراطياً يُعيق المنشآت، بل هي تحرير للمنشآت لكي تُركّز على ما أُنشئت من أجله. والنموذج المطلوب منظومةٌ متكاملة متعددة الأذرع: الصندوق القومي وصندوق الدواء الدائري لما هو طبي، وإدارة الشراء والتعاقد لما هو غير طبي، وإدارة التنمية والمشاريع لأعمال التأهيل والبناء. هذه الأذرع حين تعمل معاً تُغلق الثغرات التي يتسرب منها الهدر المالي وتدني الجودة واستنزاف الطاقة الإدارية.

86. تجارب رواندا وغانا والسعودية والصين والهند والبرازيل وإيطاليا تُقدّم مجتمعةً شواهد دامغة على أن النموذج المزدوج — هيئة مركزية اتحادية وصناديق لامركزية ولائية — ليس ترفاً إدارياً بل ضرورة حمائية تتجلى أهميتها في أوقات الأزمات والحروب تحديداً. السودان يملك من التجربة الذاتية الناضجة ما يكفي للانطلاق، وما ينقصه ليس الاختراع بل الإرادة والتفعيل وإعادة البناء.

87. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

المراجع والمصادر

1. World Health Organization. Managing drug supply: the selection, procurement, distribution and use of pharmaceuticals. 2nd ed. West Hartford: Kumarian Press; 1997.
2. GSDRC. Evidence and experience of procurement in health sector decentralisation. Birmingham: GSDRC; 2017.
3. Shroff ZC, Rao KD, Bennett S, et al. Do changes to supply chains and procurement processes yield cost savings and improve availability of pharmaceuticals, vaccines or health products? BMJ Glob Health. 2017;2(2):e000243.
4. Dubois P, Lefouili Y, Straub S. Pooled procurement of drugs in low and middle-income countries. Working Paper 508. Washington DC: Center for Global Development; 2019.
5. African Development Bank. Sources of inflationary pressures in Sudan — policy brief. Abidjan: AfDB; 2023.
6. Trading Economics. Sudan inflation rate [Internet]. 2024 [cited 2026 Apr 15]. Available from: https://tradingeconomics.com/sudan/inflation-cpi.
7. Elamin H, Abdelgadir MA. Cost-effectiveness analysis of supply chain system: Sudan’s National Medical Supplies Fund 2011–2014. J Pharm Policy Pract. 2020;13:26.
8. Hamad MA, Mohamad AA, Ahmed HIM. The critical pharmaceutical situation in Sudan 2023: a humanitarian catastrophe of civil war. Int J Equity Health. 2024;23:49.
9. Awadelkari MA, Idrees A, Mustafa SM. How to establish a successful revolving drug fund: the experience of Khartoum state in the Sudan. East Mediterr Health J. 2009;15(2):399–408.
10. Mohamed Ali GK, Taha GM, Mohamed IA. Medical supplies agencies and access to foreign currency in resource-limited settings: case studies from Sudan. East Mediterr Health J. 2022;28(1):57–63.
11. US Commercial Service. Saudi Arabia procurement regulations for the medical sector. Washington DC: US Department of Commerce; 2024.
12. Lv Z, Wang Q, Li G, Tian Q. National centralized drug procurement and health care expenditure of households. Front Public Health. 2024;12:1394527.
13. Giuffrida A, Lapini F, Marini G. Savings from public procurement centralization in the healthcare system. Eur J Polit Econ. 2020;65:101942.
14. World Health Organization. WHO guideline on country pharmaceutical pricing policies. Geneva: WHO; 2021.
15. Rusagara V, Maniple E, Musango L. Rwanda’s national medicine supply chain: from collapse to transformation. Bull World Health Organ. 2017;95(11):796–800.
16. Ministry of Health Rwanda. Annual health sector performance report 2021–2022. Kigali: Rwanda MOH; 2022.
17. Ghana Health Service. Supply chain management strategic plan 2018–2022. Accra: GHS; 2018.
18. Mohamed Ali GK. Management of revolving drug fund: experience of Khartoum State, Sudan [dissertation]. Bradford: University of Bradford; 2000.
19. World Bank. MAPS: Methodology for Assessing Procurement Systems. Washington DC: World Bank Group; 2018.
20. وزارة الصحة الاتحادية السودانية. الإطار الاستراتيجي لتطوير الخدمات الصحية 2017-2021. الخرطوم: الأمانة العامة; 2017.

د. محمد إبراهيم عبدالرحمن يوسف
مدير الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات وزارة الصحة، ولاية الخرطوم
Dr. Mohammed Ibrahim Abdelrahman Yousif ~ Director General of Strategy and Information, Khartoum State MOH
مارس 2026م

حقوق الطبع محفوظة@

Dr.Mohammed Ibrahim Abdelrahman Yousif

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى