مقالات

وزير استثنائي* *بقلم: الإعلامية يسرية محمد الحسن*

*وزير استثنائي*

*بقلم: الإعلامية يسرية محمد الحسن*

في زمن ندرَت فيه الكفاءات القيادية، كانت فضائيات العالم تحتفي بإطلالة الشاب السوداني خالد الإعيسر على شاشاتها، بهدوء وثبات وترتيب للأفكار، يسجل الهدف تلو الآخر في مرمى الخصم!
كان يشدّنا بمنطقه العذب وكلماته الرصينة القوية وحجته البليغة، فنجد هؤلاء المفلسين الكاذبين، سيما المدعو الباشاطبيق، وقد طبقت أرض الاستوديو عليه، وتصبب العرق غزيراً من رأسه وحتى أخمص قدميه!

الأستاذ خالد الإعيسر من شباب السودان وإعلامييه الواعين والمثقفين والمحبين لوطنهم. عمل في كبريات الصحف البريطانية محرراً ورئيساً لهيئات التحرير، وبلغ شأوه مدىً عالياً وسط أقرانه من إعلاميي العالم العربي والإسلامي المنتشرين بأجهزة الإعلام في المملكة المتحدة، فكان يُسند إليه المهام الكبيرة في إجراء المقابلات والتحليلات لمجمل الأحداث بالعالم، سيما الشرق الأوسط المضطرب!
تقاضى أعلى الأجور هناك في بلاد الفرنجة، وحين ناداه نداء الوطن لم يتقاعس، وهو الصوت القوي ذو المنطق والحجة. لم يطلب منه أحد ذلك، لكنه حب هذا السودان وترابه الذي يجري في دمه.

إطلالات الأستاذ خالد على شاشات العالم، حين كان هؤلاء القتلة يحتلون عاصمة البلاد ومدن الجزيرة وسنار وكردفان ودارفور، كان هو من يدافع عن جيشنا العظيم في مواجهة هوانات الجنجويد أمام العالم كله، الذي كان يستمع لإفاداته القوية والصادقة والمنطقية. لم يكن سفراؤنا بالخارج بحاجة إلى تبيان الحقائق في محطاتهم الخارجية، فقد كان خالد يغنيهم عن ذلك.

لم نندهش أو نستغرب حين طلبه فخامة الرئيس البرهان ونقل إليه رغبته في إسناد منصب وزير الإعلام له. لم يتردد وقبل العرض، رغم علمه بمشقة وصعوبة المهمة والبلد تخوض هذه الحرب المفروضة. لكنه عزم على ترتيب بيت الإعلام الداخلي ليضطلع بمسؤولياته في مواجهة آلة إعلام الشر ومن معه من قوى صمود وغيرها.

المهمة صعبة وشائكة وكبيرة، لكن الله كان معه، رغم حسد من هنا وهناك وأحقاد لم تكن غريبة على البعض من أبناء وبنات الداخل. وبعون الله وتوفيقه، تم إنجاز ما لم يكن متوقعاً إنجازه في ظل ظروف الإمكانات الضئيلة والمحدودة لتسيير آلة إعلامنا الوطني، وخالد المحظوظ وجد المساندة من جلّ القيادات الإعلامية بالبلد.

بالأمس، كانت زيارة لي برفقة زميلي الدكتور فيصل عبد الله عبد العاطي لمباني هيئة الإذاعة والتلفزيون، نستجلي الأمر: أين كانت والعدو يحتلها، وأين صارت الآن؟ حدثنا الإخوة الأفاضل، الأستاذ إبراهيم البزعي، المدير العام للهيئة، والأخ الدكتور الوليد، المدير العام لقطاع التلفزيون، عن مآسٍ حدثت إبان احتلال المليشيا للهيئة، وكيف كان حائط الصد الأول لمنع بث بيان حميدتي من داخل الإذاعة، تلفون من الأخ البزعي، المدير العام للهيئة، لأحد شباب الإذاعة من الفنيين المحتجزين لدى المليشيا داخل استوديوهات البث بالإذاعة السودانية. وكيف كانت ردة فعل يوسف عزت حامل البيان.

وإن أنسى لا أنسى الإشادة الكبيرة من الأخوين البزعي والوليد بسعادة اللواء عبد القادر، المشرف على الهيئة، والذي خطط التخطيط الأمثل للانقضاض على هؤلاء الأوباش وفق خطة ذكية، على إثرها كانت فوهات بنادق جيشنا العظيم حاضرة لتنهي عبث العدو، فهلك منهم أعداد كبيرة، ومن نجا هرب مختبئاً في أزقة وشوارع حي الملازمين المجاور لمباني هيئة الإذاعة والتلفزيون.

الأستاذ خالد الإعيسر، وهنا الحديث للأخ البزعي، المدير العام للهيئة، الذي أثنى ثناءً كبيراً على مجهوداته في رفع الأنقاض، وجلب الآليات والعمال لنظافة المبنى كلياً، فقد كان مرتعاً للكلاب الضالة ومكباً للنفايات البشرية، ومخزناً لمنهوبات ممتلكات المواطنين، وسجناً كبيراً لأبناء السودان الشرفاء، وحراسات للمليشيا تمارس في مكاتب الإذاعة سحل وقتل وشنق المواطنين العزل الأبرياء!

كانت جولة طويلة برفقة الأساتذة المسؤولين بالهيئة، وكيف كان الأستاذ خالد واحداً من العاملين، يداً بيد معهم، فالكل يعمل منذ الصباح الباكر وحتى مغيب الشمس. عام كامل انقضى، وبدأ وجه المبنى يتضح من بعد عبوس وسوء.

شح الإمكانات المادية يقف عائقاً كبيراً أمام إنجاز المتبقي لتعود الهيئة سيرتها الأولى. بالأمس، في مقالي السابق، تحدثت بإشفاق: إن كنتم أيها المسؤولون غير قادرين على إعادة الإعمار، فاتركوا الشأن لأهله! وهنا تحديداً أشير إلى وزارة المالية، التي ينبغي لها أن توفر المال اللازم لإعادة إعمار أهم مرفق بعد وزارة الخارجية.

أروني بالله عليكم كيف يكون الإيثار، وكيف يترفع مسؤول شاب عن تقاضي أي مليم نظير شغله منصبه الحساس والرفيع؟
فقد تنازل الأستاذ خالد الإعيسر عن مخصصاته كافة كوزير للإعلام، بما فيها راتبه، الذي وهبه بالكامل لأسر شهداء حرب الكرامة!، في وقت نجد فيه نفراً من المسؤولين (مكنكشين في المناصب)! يعدلون لوائح مخصصات أسلافهم ليستأثروا بـ(دشليونات وتريليونات) الجنيهات من خزينة الحرب المثقلة بالديون!!

ففي أحد مناصب الدولة الرفيعة، المسؤول الأول أو المسؤولة!! الأمر سيان، يُستقطع من أموال الدولة التي أنهكتها الحرب ما يكفي لميزانية ولاية في الشهر الواحد!! بالمقابل، نجد أمثال الإعيسر يتبرع بدخله كله لأرامل وأطفال الشهداء!!

الأستاذ خالد الإعيسر، وحسب إفادات القيادات بالهيئة، نثمّن دورك الوطني العظيم وهمك الكبير في ترتيب بيتك الداخلي وإعادة الهيئة الجميلة سيرتها الأولى.

خالد بن الإعيسر، وزيرنا الشاب الهمام.. يوم شكرك ما يجي!.

يسرية محمد الحسن
اللفة الأخيرة – صحيفة أخبار اليوم
الخرطوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى