السيادة المحمية بالفيتو: منطق المصالح وإعادة تشكيل التحالف السوداني الروسي**اسماعيل الحكيم

**السيادة المحمية بالفيتو: منطق المصالح وإعادة تشكيل التحالف السوداني الروسي**
يُشكّل حق النقض الفيتو في أروقة مجلس الأمن الأداة الجيوسياسية الأكثر حسمًا لإجهاض أي قرار دولي حينما يتقاطع مع المصالح العليا للدول الكبرى؛ فهو ليس بإجراء إجرائي، ولكنه الصخرة التي تتكسر عليها إرادات المحاور الدولية. وفي هذا السياق، جاء استخدام روسيا لحق النقض ضد مسودة القرار البريطاني الداعي لفرض حظر على الطيران وإقحام قوات أممية في السودان ليضع نقطة فارقة في مسار الأزمة، مدشنًا مرحلة جديدة من المواجهة الدبلوماسية تحت غطاء السيادة الوطنية.
إن الفيتو الروسي ما كان تضامنًا مجانيًا أو موقفًا عادياً، إنما كسباً استراتيجياً عميقاً تُدرك موسكو أبعاده جليًا؛ فالقرار البريطاني – في ظاهره المزين بشعارات حماية المدنيين – يحمل في طياته محاولة لتقييد القدرات الدفاعية للدولة السودانية عبر حظر سلاح الجو الذي يمثل عصب التفوق العسكري ميدانياً ، تمهيدًا لفرض وصاية أممية تُعيد رسم المشهد السياسي وفق أهواء الأجندة الغربية. لقد رأت موسكو في هذا التحرك مساسًا مباشرًا بشرعية المؤسسات الوطنية السودانية، ومحاولة جادة لتضييق الخناق على النفوذ الروسي المتنامي في إفريقيا، فكان الفيتو بمثابة القاطع الدبلوماسي الذي منع تكرار سيناريوهات التدويل القسري.
وهنا تتجلى طبيعة العلاقات السودانية الروسية، إذ إن الموقف الروسي الحازم يستند إلى أرضية صلبة من العلاقات التاريخية والمصالح المتبادلة التي لا تقبل التردد. فالسودان بقعة جغرافية حاكمة على البحر الأحمر وبوابة استراتيجية للعمق الإفريقي، وموسكو قوة كبرى تبحث عن موطئ قدم أمني واقتصادي يُعزز حضورها الدولي كبديل للهيمنة أحادية القطب. هذه المعادلة تمنح الطرفين مساحة واسعة للتعاون؛ بدءًا من التنسيق العسكري والتسليح، وصولًا إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الموارد والتعدين والبنية التحتية، وهو ما يجعل الدفاع عن الخرطوم في المحافل الدولية دفاعًا مباشرًا عن مكتسبات جيوسياسية روسية لا تُقدر بثمن.
غير أن لغة المصالح اليوم لا تعرف المجاملات، واستخدام هذا السلاح الدبلوماسي الثقيل يفرض على الحكومة السودانية واجبات استراتيجية ردًا على هذا الموقف الحاسم. فالواجب على الخرطوم التخلي عن المواربة، والاندفاع بجرأة نحو ترسيخ هذه الشراكة عبر تفعيل الاتفاقيات العسكرية والأمنية المُعطلة، وفي مقدمتها ملف الوجود البحر الروسي، إلى جانب فتح أبواب الاقتصاد السوداني أمام الاستثمارات الروسية بامتيازات تفضيلية تُعزز التبادل التجاري وتصنع شبكة مصالح معقدة يصعب كسرها.
لقد منح الفيتو الروسي السودان مهلة تاريخية لالتقاط الأنفاس وحماية سيادته من التدويل القسري، لكن الاستفادة الحقيقية من هذا الموقف تتطلب دبلوماسية سودانية حازمة، تُتقن اللعب بقواعد عالم المصالح المتبادلة، وتصون للبلاد استقلالها وقرارها الوطني.










