*تحديات إقتصاد الحرب في السودان .. و تراجع قيمة الجنية

*تحديات إقتصاد الحرب في السودان .. و تراجع قيمة الجنية
الشاذلي حامد المادح
في الحروب الأهلية و الداخلية لا تقتصر جبهات القتال على خطوط التماس العسكرية بل تمتد لتضرب العمود الفقري للإقتصاد .. المصانع و محطات الطاقة و الموانئ .. عندما تتحول هذه المنشآت الحيوية إلى أهداف عسكرية أو تتعرض للنهب و التدمير يدخل الإقتصاد مرحلة ركود الإنتاج و تفقد الدولة قدرتها على التصدير و تصبح عاجزة عن جلب النقد الأجنبي مما يدفعها للإستيراد الكامل لتلبية لقمة عيش مواطنيها .. هذا الخلل العنيف يحوّل العملة الوطنية إلى مجرد أوراق بلا غطاء إنتاجي و يبدأ الدولار رحلة (الزحف الجنوني) و هو ما تعكسه بدقة تجارب دولية قريبة أثبتت فيها لغة الأرقام كيف يمهد دمار البنية التحتية للإنهيار الجنوني للعملات .. ففي سوريا تسببت الحرب في تدمير القلاع الصناعية بحلب و توقف حقول النفط لينهار سعر الصرف من 47 ليرة مقابل الدولار قبل عام 2011 إلى حاجز 14,500 ليرة في السوق الموازية .. و في اليمن أدى إستهداف الموانئ الحيوية و توقف تصدير النفط إلى إنفلات الدولار من 215 ريالاً يمنياً إلى تجاوز حاجز 1,600 ريال و بالمثل دمرت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) المركز المالي في بيروت لتقفز العملة من 3 ليرات فقط مقابل الدولار إلى عتبة 3,000 ليرة عند انتهاء الحرب الأهلية و هي الأن عند عتبة التسعين ألف ليرة مقابل الدولار الواحد .
ما يحدث في السودان اليوم يمثل ذروة هذا المشهد المرعب إذ تلقت البلاد ضربة قاضية في قلب منطقتها الصناعية بالخرطوم و الجزيرة و التي كانت تضم أكثر من 80% من المصانع الغذائية و الدوائية و التحويلية .. إن نهب خطوط الإنتاج و توقف محطات الكهرباء حوّل السودان إلى سوق يستهلك و يستورد كل شيء مما أفقد البنك المركزي السيطرة على الكتلة النقدية و تسبب في شلل الصادرات التقليدية .. هذا الواقع دفع بالجنية السوداني إلى حافة الهاوية ، فبعد أن كان الدولار مستقراً عند 570 جنيهاً قبل أبريل 2023م أصبح اليوم يزحف بسرعة جنونية في السوق الموازية متخطياً حاجز 4,500 جنية و مقترباً من عتبة الـ 5,000 جنية سوداني . و في خضم هذا الشلل الشامل برز قطاع الذهب بالولايات الشمالية و الشرقية (نهر النيل و الشمالية و البحر الأحمر) كعامل موضوعي يمثل (طوق النجاة) و الرئة الإقتصادية الوحيدة المتبقية للدولة ، حيث بات يشكل أكثر من 70% من الصادرات الفعلية الحالية .. لكن هذا المورد الإستراتيجي أصطدم بفوضى الحرب التي أضعفت الرقابة على الحدود ، مما منح شبكات التهريب فرصة ذهبية لنقل الذهب الخام للخارج و تشير التقديرات إلى أن ما يتم تصديره رسمياً لا يتجاوز 20% إلى 30% فقط من الإنتاج الفعلي مما يحرم خزينة البلاد من مليارات الدولارات الكفيلة بكبح جماح التدهور المالي و تأمين الدواء و القمح و الوقود . إن هذا النزيف الحاد يفرض تبني حزمة علاجات كمطالب عاجلة تمثل قضية أمن قومي و تبدأ أولاً بوضع سياسة السعر المجزي و الشراء المباشر عبر إلزام بنك السودان المركزي بشراء الذهب من المعدّنين بالأسعار العالمية و وفق سعر الصرف الواقعي لقطع الطريق على المهربين . و ثانياً تسريع تفعيل بورصة الذهب الوطنية لإدارة عمليات البيع و التصدير بمرونة و شفافية . و ثالثاً تسهيل إجراءات و توطين صناعة التكرير لضمان تصدير الذهب كسبائك منقاة ترفع من قيمته المضافة بدلاً من بيعه خاماً .. أما على الصعيد الأمني و الرقابي فإن الضرورة القصوى تتطلب قراراً استثنائياً يتماشى مع فقه الأولويات في أوقات الحروب و هو تكليف هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة بملف تأمين مناطق الإنتاج و مكافحة التهريب .. إن هذه القوة بما تمتلكه من قدرات و جاهزية عالية و إنضباط و تأهيل على العمل الميداني الحاسم ، يجب أن تُوجه طاقتها الضاربة نحو الثغور و الحدود .. فالسودان اليوم لا يواجه خطراً يعلو فوق خطر “الإرهاب الإقتصادي” الذي ينهب مقدرات الشعب و يدمر ما تبقى من الكيان الوطني بالتوازي مع ألة الحرب العسكرية .. إن تجفيف منابع التهريب بقوة السلاح و إحكام السيطرة على المعابر هو معركة وجودية تقع في صلب مهام هذه القوة الوطنية . إن وصول الدولار إلى عتبة الخمسة ألاف جنية سوداني هو الأنعكاس المباشر لـ (موت الماكينة) و نزيف الموارد المهدرة .. و الدرس المستفاد من تجارب المنطقة يؤكد أن كبح جماح العملة لا يتم عبر الإجراءات الدبلوماسية أو الأمنية التقليدية، بل يبدأ في أودية و مناجم الذهب بسد ثغرات التهريب بيدٍ حاسمة و ضخ العائدات كاملة في شرايين البنك المركزي لتتكامل مع عودة الماكينات و دون هذا الحسم الأمني و الإقتصادي المشترك سيستمر زحف الدولار المتصاعد بلا سقف .










