دكتور يوسف محمد علي الناير، يكتب: فعالية الحوار وتأثيراته الإيجابية والابداعية في ضوء قصص القرآن الكريم

دكتور يوسف محمد علي الناير، يكتب:
فعالية الحوار وتأثيراته الإيجابية والابداعية في ضوء قصص القرآن الكريم.
مفهومه:
عملية مراجعة للكلام والمنطق بين طرفين أو أكثر بأسلوب هادئ ومتكافئ، يهدف إلى مناقشة قضية فكرية أو معرفية بوضوح وتفاهم.
هو بهذا الفهم يعني الحديث الذي يتم بين طرفين أو أكثر لتناول قضية من قضايا الحياة المختلفة بغرض بث الفائدة في المجتمع. ولكن أفضل الحوارات على الاطلاق تلك التي تفضي إلى نتائج إيجابية مفيدة. والإنسان بطبيعته حواري لارتباط نشاطه بآخرين سواء كان ذلك في المكتب أو السوق أو في دور العلم والمعرفة أو في أي بيئه حاضنة لمصالحه ومنافعه . ولكن أكثر الحوارات صعوبة ومشقة وتعقيدا تلك التي تشبه المناظرة بل هي نفسها ،خاصة التي تكون بين سلطان أو حاكم جبار دكتاتوري متعجرف، ومبعوث أو رسول، وسط جمهور من الناس . هذا النوع من الحوارات يتطلب حكمة بالغة،وفطنة فطرية عميقة، وكياسة راسخة، وشجاعة وصبر وتماسك ذهني ونفسي ،وذلك للتعامل والتكيف مع مجريات الحوار وفق مراحله وأساليبه ومنحنياته.
والذي يتدبر قصص القرآن الكريم يدرك تلك الجوانب ،والأسرار،خاصة مواقف سيدنا موسى مع قومه، فهي الأكثر تعقيدا وصعوبة وإثارة لطبيعة البيئة التي أرسل إليها وحاكمها فرعون الذي تربى موسى في بيته وفي ظل عرشه. تعالوا معا لنرى كيف كان المشهد ؟! وما الأساليب التي استخدمها فرعون للفوز والانتصار في ساحة الزينة حيث يحتفل هو وقومه؟! وما التقنيات الحوارية التي اعتمد عليها سيدنا موسى لمواجهة فرعون؟!
المشهد الأول:
قال تعالى على لسان فرعون مخاطبا سيدنا موسى [ قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِين] الشعراء ١٨.
أنظر إلى طريقة فرعون بعد أن استمع الى مضمون دعوة سيدنا موسى وقدم نفسه رسولا من رب العالمين،حيث ابتدر فرعون حديثه باستخدم أسلوب التعالي والسخرية والاستصغار والإمتنان، للتأثير على سيدنا موسى من الناحية النفسية مستفيدا من الحشود التي احتشدت يوم الزينة ضحى ذاك اليوم لتلك المواجهة الفاصلة ،ثم أردف قائلا [ وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ] مركزا على الجوانب النفسية بإدخال أسلوب التجريم والتخويف!لكنه لم ينل مبتغاه ،ففي الوقت الذي توقع فيه المحتشدون انكسار سيدنا موسى وإضعاف حالته النفسية تفاجأوا بالطريقة والأسلوب الذي استخدمه موسى في مواجهة طريقة فرعون وسط قومه. فالهدوء الفعال والتماسك النفسي والذهني القوي أفضل منهج للتعامل مع المواقف الاستفزازية المستبدة، ففهم سيدنا موسى معرفته لنفسية فرعون وبيئته جعلته يرخى الحوار ويلينه لضبط مساره والتحكم فيه، والسيطرة على تفاصيله حتى لا يلجأ فرعون إلى المخاشنة المتنفذة فدفع إليه ما يريد [ قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ] وذلك إمتصاصا لانفعاله معترفا بالتهمة، ومؤكدا لقول فرعون مسببا فعله بالظروف التي خيمت على تلك الفترة التي حدثت فيها، بأنها فترة شباب وجهل. ليس هذا فحسب بل أردف اعترافا آخر توقع أن يقدم فرعون تهمته امعانا في الاذلال الظرفي، فقال : [فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ] ثم عقد موسى مقارنة بين الفترتين وما تخللهما من تطورات وتحولات سماوية، فأفضت إلى ابتعاثي رسولا بهبة من الله بمساعدة أخي هارون. ثم انتقل سيدنا موسى تدريجبا إلى إقامة الحجة على فرعون وتجريمه بصورة حكيمة فقال:[وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ] .
هذا الأسلوب دفع فرعون إلى تحكيم العقل فقال بطريقة إستفهامية أنفية إستعلائية :[قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] فمضى سيدنا موسى في سرد الأدلة التي تعضد دعوته فقال:[قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ] وفي مشهد تكسوه العظمة الشيطانية إلتفت فرعون إلى قومه مستخدما نظره ولسانه ويديه ممثلا دورا يتخلله التكبر والتعالي والعجب والسخرية فقال:[قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ] فأردف موسى دليلا آخر [قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ] فدفع ذلك فرعون إلى أسلوب آخر أكثر استفزازا وسخرية عمد فيه إخراج سيدنا موسى عن حكمته وفطنته وصبره [قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ] ولكن سيدنا موسى ظل متماسكا ذهنيا ونفسيا وممسكا ومسيطرا على مجريات الحوار فطرح دليلا آخر أعمق حجة وعقلانية [قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ] فلما وجد فرعون نفسه محاصرا بالأدلة الدامغة أمام قومه لجأ الى استخدام النفوذ والقوة وهكذا دائما عندما يعجز أحد أطراف الحوار في الرد المقنع يلجأ إلى المخاشنة والتعدي اللفظي سبابا وشتيمة وتهديدا وربما الاشتباك بالأيدي والبنية! فقال فرعون ملوحا باستخدام القوة والتهديد بالسجن وذلك لارغام سيدنا موسى بالتراجع عن دعوته [قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ] ولكن سيدنا موسى بحكمته وصبره أعاد فرعون إلى مسار الحوار باستخدام أسلوب الاستفهام الذهني العقلاني [قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ] فطلب فرعون بانفعال مستبد مستبعدا دليلا عينا في تلك اللحظة لمحدودية علمه [قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ] فانتقل الحوار إلى الصمت الممزوج بالهمس المريب لقوم فرعون وهم يشاهدون من تربي في بيت فرعون يناظر سيدهم بل ويجعله حيران ينتظر مثلهم مفاجآت سيدنا موسى ،والمعجزة التي ستقلب موازين القوة وتعيد تشكيل المشهد السياسي من جديد [فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ] وقبل أن يفيق فرعون وقومه من صدمة العصا التي تحولت إلى حية عظيمة ومرعبة!فاجأهم موسى بمعجزة أخرى قسمت جموع الحاضرين توا إلى كتلتين ،كتلة انضمت لدعوة موسى وأخرى مهزومة بقيت مع فرعون خائفة منكسرة تطأطأ رأسها من خيبتها وعقاب سيدها[ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ] فتبعثرت أوراق فرعون وسيطر الرعب والارتباك على المشهد، ثم وبلغة وأسلوب تتخلله روح الهزيمة النفسية مخاطبا ومستعطفا ومستنفرا قومه [قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ (34) يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ] في هذا الجزء نقل فرعون المعركة لقومة مصورا المشهد للحاضرين بأسلوب متجبر مهزوم يحاول عبثا التظاهر بالقوة المسلوبة حينئذ بأن المرحلة تحتاج لدعمكم وذلك لمواجهة موسى بعد أن انتقل بالمشهد كله إلى مرحلة جديدة ومعقدة كشفت عن تحديات عظيمة ستواجه الطرفين. فجاء فرد قوم فرعون [قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ36 يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ] .
جولة ثانية من المواجهة الساخنة رسم ملامحها جواب قوم فرعون مكانا وزمانا ولكن بعد حين. والحين هنا تلك الفترة التى منحت للاستعداد وتجميع السحرة لليوم المشهود في ساحة الزينة [فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ] ثم دنت ساعة المواجهة وتم التأكيد على الحشود في المكان والزمان المحددين [وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ] جاهزون لمشاهدة اللحظة الفاصلة،فقالوا: [لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ] تسرب الشك إلى نفوسهم بعد أن شاهدوا عصا موسى بتلك الحالة وربما تعجز أسحارهم وتخسر المواجهة أمام عصا موسى المعجزة فقالوا(لعلنا) نتبع السحرة إن تمكنا من التغلب على عصا موسى وإلا سندخل في معادلة معقدة! وقد دخلوا بالفعل حيث ابتلعت عصا موسى حبالهم وعصيهم التي تخيلها الحاضرون أنها تسعى[ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ] الشعراء (41).
في المشهد الثاني نرى كيف كانت المواجهة في ساحة الزينة.











