دكتور يوسف محمد علي الناير يكتب : أثر الجغرافية السياسية على السلوك السياسي للدول الحبيسة.

دكتور يوسف محمد علي الناير
يكتب :
أثر الجغرافية السياسية على السلوك السياسي للدول الحبيسة.
أدى شح الموارد الطبيعية وسط القوي العظمى إلى ارتفاع وتيرة التنافس الدولي على الدول الساحلية والممرات المائية وذلك لدورها الكبير في التجارة العالمية ونقل الموارد الطبيعية إلى السوق العالمي ،وانفتاح تلك الدول والممرات على آسيا وأوروبا، والعالم ، مما جعلها ذات أهمية استراتيجية فباتت عيون القوي العظمى تراقب تلك الدول والممرات بل وتبني استراتيجياتها الاقتصادية والعسكرية عليها بوسائل وطرق مختلفة لتمكين وجودها وذلك ببناء تكتلات وتحالفات ،أو بخلق توترات وصراعات حول الدول التي تمتلك تلك الميزات ، وفي الغالب تستخدم الدول الحبيسة التي ليس لها ممرات مائية كمطية لتمرير الأجندة واستغلال أراضيها ومجالها الجوي وذلك بالتركيز على نقاط ضعف تلك الدول واتستخدامها كأداة لخلق توترات أمنية مع جيرانها لتهيئة بيئة صالحة للعمل المخابراتي والتجسسي داخل الدول الساحلية بغرض تغذية التوترات الصغيرة وجعلها صراعات مسلحة بين المكونات السكانية بخلق حالة تنافر نفسي وثقافي بغرض توسيع هوة الخلافات وبناء حاجز حديدي وهمي يصلح لتخفي التخابر الخارجي لإدارة الصراعات الداخلية عن قرب .ويبدو أن الجغرافيا السياسية تلعب دورا مؤثرا في تنامي السلوك الاجرامي لدى الدول الحبيسة التي تعجز في مواجهة تلك التحديات والصعوبات الجيوسياسية بسبب موقعها المغلق ، مما يجعل سلوكها السياسي غير قادر على بناء نفوذ إقليمي ودولي للتعاطي مع التحديات العالمية إقتصاديا وعسكريا ،فأصبحت تلك الدول الحبيسة أداة للتخريب والتدمير في أيدي الدول الطامعة في ثروات وموارد الغير. والملاحظ أن تشاد، وأفريقيا الوسطى، واثيوبيا كلها دول حبيسة غير مطلة على أي ساحل مما يجعلها تعتمد على جيرانها لنقل صادراتها للسوق العالمي. وقد أدى هذا الوضع بأن صارت الدول الثلاث منصة للتخابر ضد السودان واستغلال أراضيها ومجالها الجوي لنقل العتاد العسكري للميلشيا المتمردة مقابل رشاوي مالية ووعود سياسية كاذبة بفك عزلتها الجغرافية مما حفزها للعب دور سالب في حرب ١٥ابريل ٢٠٢٣م التي أشعلتها ميلشيا الدعم السريع المتمردة على الدولةالسودانية .
ونشير إلى أن ثمة جوانب نفسية معقدة تسيطر على تلك الدول الحبسية بسبب العوامل الجيوسياسية مما جعلها غير قادرة على التغلب على تلك التحديات والصعوبات فأثر ذلك على سلوكها السياسي مما انعكس على العلاقات الدولية، وتفاعلها مع محيطها الاقليمي والدولي ، وذلك لتشكيل القوة والتوازن الدوليين .
فدولة تشاد لم تستفيد من العوامل الايجابية والروابط الاجتماعية، والتداخل السكاني واللغوي بينها وبين الدولة السودانية لتعزيز العلاقات الدبلوماسية والتجارية لتقوية نفوذها بطريقة سليمة، ولكنها ركنت لسلوكها السياسي المصنوع خارجيا فاستبدلت تلك الميزات الطبيعية بأخرى مؤقتة كاذبة تزول بزوال الغيوم عن شمس الضحى . كما أن الروابط التاريخية بين السودان واثيوبيا قديمة وعريقة، وأن السودان ظل يترك حدوده مفتوحة لكافة التعاملات التجارية والسكانية دون قيود ولكن منذ ١٥ابريل ٢٠٢٣م تغير سلوك أثيوبيا السياسي، وأصبحت أيضا بوابة لدخول الشر العالمي على السودان. ويفسر مراقبون سلوكها عقب إكتمال بناء سد النهضة بتأثيرات الجغرافيا السياسية على مزاجها العام بواصفها دولة حبيسة تحاول التغلب على التحديات والمشكلات التي فرضها موقعها الجغرافي مما شكل عبءا ثقيلا على تفكيرها الاستراتيجي فأصبحت دولة عدوانية ومخلبا في أيدي قوي إقليمية ودولية للنيل من جيرانها ،وكذا الحال بالنسبة لافريقيا الوسطى.
ونخلص إلى أن الدول الحبيسة القوية تكمل ضعفها بتحسين علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الساحلية حتى تتمكن من نقل صادراتها الطبيعية وغيرها إلى السوق العالمي، وتشكيل تحالفات مع جيرانها وذلك لتعزيز المصالح والمنافع المتبادلة، والعمل معا لمواجهة التحديات والصعوبات التي يفرضها نظام المحاور الدولية.











