دور لجنة الطوارئ الصحية بوزارة الصحة ولاية الخرطوم في إسناد القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية والمستنفرين في معركة الكرامة
إعداد: د. محمد إبراهيم عبد الرحمن يوسف رئيس لجنة الطوارئ الصحية – وزارة الصحة – ولاية الخرطوم أبريل 2023 – يناير 2025

تُقدِّم هذه الوثيقة سرداً توثيقياً تحليلياً شاملاً للدور المحوري الذي اضطلعت به لجنة الطوارئ الصحية بوزارة الصحة ولاية الخرطوم في إسناد القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية والمستنفرين خلال معركة الكرامة (أبريل 2023 – يناير 2025). وتعالج الوثيقة المحاور الرئيسية للعمل الميداني، من تأهيل المرافق الصحية في الوحدات العسكرية، مروراً بالمستشفيات الميدانية وخدمات الإجلاء والإمداد الدوائي، وانتهاءً بتأهيل وتشغيل مستشفى الجكيكة بولاية نهر النيل، مع استخلاص الدروس المستفادة التي تُرسي أسس منظومة أمن صحي وطني أكثر جاهزيةً في مواجهة الأزمات المستقبلية.(1,2)
المقدمة
في الخامس عشر من أبريل 2023، تحوَّلت العاصمة السودانية بحواضرها الثلاث في غضون ساعات من مدينة تسري فيها الحياة إلى ميدان تتطاحن فيه الجيوش. اندلعت معركة الكرامة بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع الإرهابية، فأشعلت حرباً غير مسبوقة في تاريخ الخرطوم المعاصر طوت كثيراً مما شيَّده السكان وبنته الدولة على مدى عقود في مدن الخرطوم وأم درمان وبحري.(3,4)
وجدت المنظومة الصحية نفسها في قلب هذه العاصفة أمام اختبار وجودي حقيقي؛ إذ تعرَّضت المستشفيات للنهب والقصف الممنهج، ونزحت الكوادر الطبية بحثاً عن الأمان، وأُفرِغت مستودعات الأدوية أو دُمِّرت، وانقطعت سلاسل الإمداد الحيوية تباعاً. وقد استهدفت الميليشيا المتمردة المنظومة الصحية استهدافاً مقصوداً في محاولة لتحويل الأزمة إلى كارثة إنسانية تستوجب التدخل الدولي، وهو ما يُشكِّل انتهاكاً صريحاً لأحكام القانون الإنساني الدولي.(5,6,7)
في مواجهة هذا الانهيار، كانت القوات المسلحة والقوات النظامية والمستنفرون يخوضون معاركهم في حاجة ماسة إلى إسناد صحي لا يقل أهمية عن الإسناد اللوجستي والنيراني. هنا نشأت الحاجة إلى لجنة الطوارئ الصحية بوزارة الصحة ولاية الخرطوم، لا بوصفها جهازاً إدارياً يُحرِّر التقارير، بل بوصفها منظومة فاعلة تعمل في الميدان مباشرة، تُؤهِّل وتُشغِّل وتُمدِّد وتُجلي وتُنسِّق، حتى يجد كل مقاتل ما يحتاجه من رعاية طبية تُعيده إلى الصفوف أو تُنقذ حياته حين يسقط مضرَّجاً بدمائه.(8)
أهداف الوثيقة
تسعى هذه الوثيقة إلى تحقيق جملة من الأهداف المتكاملة: أولها توثيق الإنجازات الميدانية الحقيقية للجنة الطوارئ الصحية بأسمائها وأماكنها وتفاصيلها، وحفظها من طيّ النسيان الذي كثيراً ما يطال جهود الأزمات حين تهدأ المعارك. وثانيها تقييم الخدمات الصحية المُقدَّمة على مستوياتها المختلفة، من الرعاية الأولية إلى المتخصصة ومن الإمداد الدوائي إلى الإجلاء الطبي. وثالثها استخلاص دروس مستفادة قابلة للتحوُّل إلى سياسات عملية تُعزِّز جاهزية المنظومة الصحية في مواجهة أي طارئ مستقبلي. ورابعها إبراز نماذج التنسيق الناجحة بين الجهاز الصحي المدني والمؤسسة العسكرية بوصفها تجربة رائدة يُحتذى بها.(9,10)
المنهجية
اعتمدت هذه الوثيقة على منهجية متعددة المصادر تجمع بين دقة التوثيق وعمق التحليل. على صعيد المصادر الأولية، استُند إلى السجلات والتقارير الدورية الصادرة عن لجنة الطوارئ الصحية وإدارات المستشفيات والوحدات الصحية العاملة طوال فترة النزاع، فضلاً عن شهادات أعضاء اللجنة والكوادر الطبية والعسكرية الذين عاشوا التجربة في الميدان.(11) وعلى صعيد المعالجة التحليلية، وُظِّف المنهج الوصفي التحليلي في سرد الإنجازات وتفسير السياق الذي جرت فيه، إلى جانب تحليل البيانات المتاحة حول حجم الخدمات المُقدَّمة والمستهلكات الطبية والدوائية، مع الاستناد إلى معايير منظمة الصحة العالمية للصحة في حالات الطوارئ والنزاعات إطاراً مرجعياً معتمداً.(12,13)
الخدمات الصحية المُقدَّمة
أولاً: الرعاية الصحية الأولية
الحرب لا ترحم المريض، وحين تنهار مراكز الرعاية الصحية في الأحياء المدنية يبقى المقاتل في موقعه محتاجاً إلى طبيب لا يجده. من هذا الواقع انطلقت فكرة تأهيل المراكز الصحية داخل الوحدات العسكرية والأمنية ذاتها، لتذهب الخدمة الصحية إلى المقاتل حيث يرابط لا أن ينتظر حتى يفرغ من مهامه القتالية.(14,15)
كانت قاعدة وادي سيدنا الجوية واحدة من أبرز الثوابت الاستراتيجية في معركة الكرامة، فجاء تأهيل مركزها الصحي قراراً لا تأجيل فيه. أُعيد تجهيز المركز بما يُتيح تقديم الرعاية الأولية المستمرة لجميع العاملين في القاعدة أو العابرين منها، من إسعافات أولية وعلاج للأمراض الحادة وجرعات تطعيم طارئة، في بيئة صحية تحفظ الجاهزية ولا تُثقل المقاتل بهموم الصحة فوق هموم الحرب. وعلى المنوال ذاته، جرى تأهيل المركز الصحي بوحدة الاحتياطي المركزي بأم درمان ليكون نقطة دعم طبي متكاملة تعالج الإصابات وتُسيطر على الأمراض المعدية التي كانت تتهدد التجمعات البشرية الكثيفة في ظروف الحرب. ولم تتوقف الجهود عند ذلك، بل امتدت لتشمل تأهيل المركز الصحي بالمنطقة العسكرية ببحري التي شهدت بعض أعنف المعارك وأطولها، وتأهيل المركز الصحي بوحدة الشرطة العسكرية بكرري لتنضم إلى شبكة الخدمات الصحية الموزعة على جغرافيا الخرطوم المتقلبة.(16)
أسهمت هذه المراكز الأربعة مجتمعةً في تخفيف الضغط الهائل الواقع على المستشفيات، وحافظت على الجاهزية الصحية للوحدات في مواجهة الأمراض اليومية والإصابات البسيطة التي لو تُركت دون علاج لتراكمت وأضعفت الكفاءة القتالية. وتتوافق هذه المقاربة مع ما تُوصي به الأدبيات العسكرية الطبية الحديثة من أهمية نقل نقطة الثقل الصحية نحو الخطوط الأمامية.(17,18)
ثانياً: الرعاية الصحية الثانوية والمستشفيات
إن كانت المراكز الصحية الأولية هي الخط الدفاعي الأمامي، فإن المستشفيات كانت الحصن الأخير حين تتجاوز الإصابات طاقة الإسعاف الأولي. أولت لجنة الطوارئ اهتماماً استثنائياً بمستشفى الأمل الوطني بأم درمان فأُعيد تأهيله وتشغيله الكامل ليتحوَّل إلى مركز طبي مرجعي يستقبل جرحى القوات النظامية والمدنيين في منطقة تشحّ فيها الخيارات الصحية. شملت عمليات التأهيل إعادة تجهيز أقسام الطوارئ وغرف العمليات وأجنحة العلاج الداخلي، وتأمين الكوادر الطبية والوقود اللازم للمولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار المزمن، وضخّ المستلزمات الضرورية لضمان الاستمرارية.(19,20)
وفي مستشفى وادي سيدنا العسكري، أولت اللجنة تأهيل غرف العمليات اهتماماً بالغاً، إدراكاً منها أن غرفة العمليات هي الفارق بين أن يصل الجريح محمولاً من الميدان ويعود ماشياً أو لا يعود. أُعيد تجهيزها بالمعدات الجراحية والأدوات والمستلزمات التخديرية اللازمة، وأتاح هذا التأهيل إجراء العمليات الجراحية الطارئة في بيئة آمنة نسبياً بعيداً عن وهج المعارك المباشرة.(21)
ثالثاً: المستشفيات الميدانية
المستشفى الثابت يستقبل من يُحمَل إليه، أما الميدان فيحتاج إلى مستشفى يذهب إليه. لهذا كان تشغيل المستشفيات الميدانية قراراً استراتيجياً لا مجرد خيار، نُفِّذ أثناء سير العمليات الحربية بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر وضغوط. في محلية كرري التي شهدت بعض أعنف المواجهات، أُنشئ المستشفى الميداني ليكون الخط الثاني بعد الإسعاف الأولي، يستقبل موجات المصابين المتتالية ويُجري العمليات الجراحية الأولية. وفي أم درمان شُغِّل المستشفى الميداني وسط المدينة لخدمة الوحدات المرابطة. وفي الخرطوم أُنشئت نقاط صحية ميدانية متحركة تُلاحق الوحدات وتُقدِّم الرعاية حيثما كانت. أما في أم بدة فقد شُغِّل المستشفى الميداني إبان العمليات التي اشتعلت على تلك الرقعة من جبهة القتال. وفي منطقة بحري قامت اللجنة بتجهيز مستشفى الكباشي ليعمل مستشفى ميدانياً قبيل تحرير مصفاة الخرطوم للبترول ببحري.(22,23,24) أثبتت هذه المستشفيات الميدانية أهميتها الاستراتيجية في تقليص الفجوة الزمنية الحرجة بين الإصابة والعلاج، تلك الفجوة التي تعني في عالم الإصابات المعركية الفرق بين الحياة والموت.(25)
رابعاً: مراكز غسيل الكلى
الحرب لا ترحم المريض المزمن؛ ومريض الفشل الكلوي الذي يحتاج جلسة غسيل كل يومين أو ثلاثة لا يتحمَّل انقطاعها طويلاً. حين دمَّرت الحرب أو شلَّت معظم مراكز غسيل الكلى في ولاية الخرطوم، بات هؤلاء المرضى في مواجهة خطر صامت لا صوت له وسط صخب المعارك.(26,27) تصدَّت لجنة الطوارئ لهذا التهديد بإنشاء مركز متخصص لغسيل الكلى في مستشفى الشرطة بأم درمان، زوَّدته بالأجهزة الطبية والمستهلكات اللازمة وأمدَّته بكوادر طبية متخصصة. أصبح هذا المركز منقذاً حقيقياً لعناصر القوات النظامية والمدنيين على حدٍّ سواء ممن انقطعوا عن مراكز علاجهم الأصلية في أحياء باتت خارج نطاق السيطرة، فضلاً عن دعم مركز غسيل السلاح الطبي بأم درمان لمواصلة عمله لمرضى الكلى.(28)
خامساً: خدمات نقل الدم
الدم هو الفارق بين أن يصل الجريح إلى طاولة العمليات وبين أن تهرب منه الحياة في الطريق. عملت لجنة الطوارئ بالتنسيق الكامل مع الجهات المختصة على تخصيص حصة منتظمة من الدم للمقاتلين والجرحى مع ضمان جاهزيتها واستمراريتها. تجلَّى ذلك في تنظيم حملات التبرع داخل التجمعات العسكرية والمدنية في المناطق الآمنة، وبناء قاعدة بيانات مُحدَّثة للمتبرعين مُصنَّفة وفق فصائل الدم تُتيح استدعاءهم فوراً عند الحاجة، وتأمين خطوط إمداد ثابتة من بنوك الدم إلى غرف العمليات والمستشفيات الميدانية.(29,30)
الإمداد الدوائي والصيدلاني والناموسيات المشبَّعة
تأتي أهمية الدواء في الحرب بعد الدم مباشرة؛ فالمقاتل الذي صمد أمام الرصاصة قد يسقط تحت وطأة التهاب لم يُعالَج أو مرض مزمن أُهمل دواؤه. عملت اللجنة على إيصال الأدوية والمستلزمات الصيدلانية الأساسية إلى الوحدات الصحية المرافقة للمتحركات القتالية في جميع الولايات التي طالها لهيب حرب الكرامة، إذ لم تقتصر الخدمة على ولاية الخرطوم وحدها بل امتدت حيثما امتدت جبهات الصراع.(31,32) وكانت الناموسيات المشبَّعة بالمبيدات الحشرية جزءاً لا يتجزأ من هذه الحزمة الإمدادية، في إدراك مبكر بأن الملاريا وسائر الأمراض المنقولة بالبعوض قادرة في ظروف الحرب على أن تُسقط من الصفوف ما لا تُسقطه ذخيرة العدو. وتُفيد الأدلة المتاحة من سياقات مماثلة أن الأمراض المعدية المنقولة بالنواقل قد تُسبِّب في بعض البيئات الحارة والرطبة من الخسائر البشرية ما يفوق ما تُخلِّفه المعارك المباشرة.(33,34)
خدمات الإسعاف المركزي وإجلاء المصابين
ثمة حقيقة ميدانية صارمة يعرفها كل طبيب عسكري: الدقائق الأولى بعد الإصابة هي ما تُحدِّد المصير في معظم الحالات. أدمجت لجنة الطوارئ خدمات الإسعاف المركزي ضمن منظومة العمليات الحربية لا على هامشها، مستثمرةً مفهوم السلسلة المتكاملة للإجلاء الطبي الذي أثبتت فاعليته في الصراعات المسلحة الحديثة.(35,36)
اضطلع الإسعاف المركزي بمهمة إجلاء المصابين إلى أقرب مؤسسة صحية قادرة على استيعابهم وعلاجهم، وكانت هذه المهمة تستلزم تنسيقاً دقيقاً مع القيادات العسكرية لتأمين ممرات آمنة في ميدان متغيِّر، واتصالات فعّالة لتحديد مواقع الجرحى وأقرب نقاط الإسعاف إليهم. وحين كانت شدة المعارك تحول دون وصول سيارات الإسعاف، لجأت فرق الإجلاء إلى وسائل بديلة بكل ما يستلزمه ذلك من جرأة وسرعة بديهة. كان الهدف في كل حالة واحداً: ألا يموت جريح بسبب التأخر في الوصول إليه.(37)
تأهيل وتشغيل مستشفى الجكيكة بولاية نهر النيل
لعلَّ أبلغ إنجاز تركته لجنة الطوارئ الصحية شاهداً على تجربتها هو مستشفى الجكيكة بولاية نهر النيل بالتعاون مع وزارة الصحة الاتحادية وولاية نهر النيل ووزارة الصحة بولاية نهر النيل. وُلدت فكرته من ضرورة ميدانية ملحّة من الادارة العامة للطب العلاجي؛ فمستشفيات ولاية الخرطوم كانت إما تحت الضغط المتواصل أو خارج الخدمة كلياً، والجرحى القادمون من الجبهات يحتاجون إلى مستشفى إجلاء آمن بعيد عن دائرة الخطر المباشر. وقع الاختيار على ولاية نهر النيل لأنها تجمع بين البُعد الكافي عن مناطق الاشتباكات والقُرب الكافي من شبكة الدعم والإمداد، فأُنشئ المستشفى وشُغِّل ليكون مستشفى إجلاء متخصصاً يستقبل المقاتلين والمجاهدين الجرحى القادمين من جبهات القتال، يعالجهم ويُعيد تأهيلهم ويُهيِّئهم للعودة إلى الصفوف.(38)
ثم جاء ما يُضيف لهذا الإنجاز بُعداً إنسانياً يتجاوز حدود الحرب؛ فمع تراجع وتيرة المعارك، لم يُغلق المستشفى أبوابه وينتهي دوره، بل تحوَّل تدريجياً إلى مستشفى مدني دائم يخدم أبناء ولاية نهر النيل ومحيطها. صار ما بُني لخدمة الحرب يخدم الحياة، وما أُنشئ لاستقبال الجرحى بات يستقبل الأمهات والأطفال والشيوخ. هذا التحوُّل يُلخِّص في صورة واحدة جوهر ما اضطلعت به لجنة الطوارئ الصحية.(39,40)
النتائج والمكتسبات
على صعيد إنقاذ الأرواح، أسهمت الخدمات الصحية المتكاملة إسهاماً مباشراً في تقليص معدلات الوفيات بين جرحى القوات النظامية، وأطالت العمر القتالي للعناصر المصابة بإتاحة علاجهم وإعادة تأهيلهم وردِّهم إلى الصفوف. وفي الوقت ذاته، أسهمت جهود الوقاية من الأوبئة وتوزيع الناموسيات في درء موجات مرضية كانت كفيلة بإضعاف الوحدات من الداخل.(41,42)
وعلى صعيد المعنويات، أثبتت تجارب الحروب على مدار التاريخ أن الجندي الذي يعلم أن وراءه منظومة طبية تحتضنه إن سقط يُقاتل بثقة أكبر وتردد أقل. فالدعم الطبي الفعّال سلاح معنوي في جوهره يُعزِّز القدرة القتالية ويُرسِّخ الإيمان بأن الدولة لا تتخلى عن أبنائها في ميادين الشرف.(43)
وعلى صعيد الإرث المستدام، يبقى مستشفى الجكيكة شاهداً مادياً على أن الجهد الصحي الطارئ يمكن أن يتحوَّل إلى بنية تحتية دائمة تخدم المجتمع جيلاً بعد جيل. كما أفرز العمل المكثَّف في ظروف الحرب كوادر طبية متمرِّسة اكتسبت من الميدان خبرات لا تُعوِّضها الكتب، وهي ثروة بشرية ينبغي استثمارها في بناء منظومة صحية وطنية أكثر صموداً.(44)
الدروس المستفادة
تكشف هذه التجربة عن دروس عميقة مكتوبة بمداد الميدان لا بمداد الفرضيات. أولها أن التخطيط المسبق مُنقِذ للأرواح لا ترف إداري؛ إذ كشفت الأشهر الأولى من النزاع أن غياب خطط طوارئ صحية مُحدَّثة كلَّف المنظومة وقتاً وجهداً استثنائياً لإعادة البناء من الصفر، وهو ما يتوافق مع توصيات المنظمات الدولية المعنية بضرورة مراجعة هذه الخطط دورياً حتى في أوقات السلم.(45,46)
وثانيها أن تنويع نقاط الإمداد وتوزيعها جغرافياً هو المناعة الحقيقية للمنظومة الصحية، فقد كشف النزاع هشاشة الاعتماد على مستودعات مركزية تُشكِّل هدفاً وحيداً سهل الاستهداف. وثالثها أن التنسيق الحقيقي بين القطاع الصحي المدني والمؤسسة العسكرية حين يكون فعلياً لا ورقياً يُضاعف القدرة الاستيعابية ويرفع كفاءة الاستجابة إلى ما هو أبعد مما يستطيعه طرف واحد بمفرده. ورابعها أن الاستثمار في تدريب الكوادر الطبية على الطب العسكري وطب الكوارث في وقت السلم يُؤدِّي أضعاف أضعافه حين تشتعل الجبهات. وخامسها ما تُعلِّمه تجربة مستشفى الجكيكة من أن المنشآت الصحية الطارئة ينبغي أن تُصمَّم بمرونة تُتيح إعادة توظيفها في خدمة التنمية حين تطوى الحرب.(47,48,49)
الخاتمة
يمكن القول بثقة في ختام هذه الوثيقة إن لجنة الطوارئ الصحية بوزارة الصحة ولاية الخرطوم كتبت في سجل معركة الكرامة فصلاً ناصعاً يُجسِّد المعنى الحقيقي للصمود المؤسّسي في أقسى الظروف. من تأهيل المراكز الصحية في القواعد العسكرية بوادي سيدنا والاحتياطي المركزي وبحري وكرري وشرق النيل، إلى تأهيل وتشغيل مستشفى الأمل الوطني بأم درمان وإعادة تجهيز غرف العمليات في مستشفى وادي سيدنا العسكري. ومن إنشاء مركز غسيل الكلى بمستشفى الشرطة بأم درمان إلى تشغيل المستشفيات الميدانية في كرري وأم درمان والخرطوم وأم بدة وبحري أثناء سير العمليات الحربية. ومن إدماج الإسعاف المركزي في منظومة إجلاء المصابين إلى ضخّ الأدوية والمستلزمات الصيدلانية والناموسيات المشبَّعة للوحدات القتالية في جميع الولايات المتأثرة، وتخصيص حصة الدم للمقاتلين والجرحى بالتنسيق الكامل مع الجهات المختصة.
ويتوَّج كل ذلك بمستشفى الجكيكة بولاية نهر النيل الذي وُلد مستشفى إجلاء للمقاتلين والمجاهدين، وحين هدأت الأحوال نبض بقلب مدني يخدم أبناء المنطقة؛ هذا التحوُّل يُلخِّص في صورة واحدة جوهر ما اضطلعت به لجنة الطوارئ الصحية: أن تخدم الحرب دون أن تنسى الإنسان، وأن تحمي المقاتل دون أن تُغفل المواطن. لم تكن مهمة اللجنة مجرد خدمة صحية في ظروف استثنائية، بل كانت إسهاماً حقيقياً في الجهد الوطني الدفاعي وركيزة أساسية في صمود القوات المسلحة والقوات النظامية. والدروس التي خرجت بها هذه التجربة لا ينبغي أن تبقى حبيسة هذه الصفحات، بل يجب أن تتحوَّل إلى سياسات عملية تُؤسِّس لمنظومة أمن صحي وطني أكثر صموداً وأعمق جاهزيةً في مواجهة تحديات المستقبل.(50)
وثيقة صادرة عن لجنة الطوارئ الصحية – وزارة الصحة ولاية الخرطوم | الفترة المرجعية: أبريل 2023 – يناير 2025
Dr. Mohammed Ibrahim Abdelrahman Yousif
1. World Health Organization. Health cluster guide: a practical guide for country-level implementation of the health cluster. Geneva: WHO; 2009.
2. Sphere Association. The Sphere handbook: humanitarian charter and minimum standards in humanitarian response. 4th ed. Geneva: Sphere Association; 2018.
3. Sudan Armed Forces. Official communiqué on the outbreak of hostilities in Khartoum. Khartoum: SAF Press Office; 2023 Apr 15.
4. UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). Sudan situation report. New York: OCHA; 2023 Apr.
5. International Committee of the Red Cross (ICRC). Health care in danger: making the case. Geneva: ICRC; 2011.
6. Physicians for Human Rights. Sudan: attacks on health care. New York: PHR; 2023.
7. Geneva Conventions. Article 19: protection of hospital zones and localities. Geneva: ICRC; 1949.
8. Khartoum State Ministry of Health. Emergency Health Committee periodic reports. Khartoum: MoH; 2023–2025.
9. Guha-Sapir D, Panhuis WG. Conflict-related mortality: an analysis of 37 datasets. Disasters. 2004;28(4):418–28.
10. Giannou C, Baldan M. War surgery: working with limited resources in armed conflict and other situations of violence. Vol. 1. Geneva: ICRC; 2009.
11. Creswell JW. Research design: qualitative, quantitative, and mixed methods approaches. 4th ed. Thousand Oaks (CA): SAGE Publications; 2014.
12. World Health Organization. Evaluating the quality of care for severe pregnancy complications: the WHO near-miss approach for maternal health. Geneva: WHO; 2011.
13. World Health Organization. Health action in crises: emergency and essential surgical care. Geneva: WHO; 2015.
14. Gawande A. Casualties of war: military care for the wounded from Iraq and Afghanistan. N Engl J Med. 2004;351(24):2471–5.
15. Joint Theater Trauma System. Clinical practice guidelines: point of injury care in combat. Washington (DC): US Department of Defense; 2019.
16. Khartoum State Ministry of Health Emergency Committee. Field assessment reports: primary health care centers in military installations. Khartoum: MoH; 2023.
17. Eastridge BJ, Mabry RL, Seguin P, Cantrell J, Tops T, Uribe P, et al. Death on the battlefield (2001–2011): implications for the future of combat casualty care. J Trauma Acute Care Surg. 2012;73(6 Suppl 5):S431–7.
18. Kotwal RS, Howard JT, Orman JA, Tarpey BW, Bailey JA, Champion HR, et al. The effect of a golden hour policy on the morbidity and mortality of combat casualties. JAMA Surg. 2016;151(1):15–24.
19. Al-Amal National Hospital Omdurman. Rehabilitation and operational reports. Omdurman: Al-Amal Hospital; 2023–2024.
20. Mahler DA. Management of acute respiratory failure in resource-limited settings. Respir Care. 2019;64(6):685–95.
21. Wadi Saydna Military Hospital. Operational and surgical reports 2023–2024. Khartoum: Wadi Saydna Hospital; 2024.
22. Beuran M, Paun S, Gaspar B, Vartic M, Iordache F, Chiotoroiu A, et al. Prehospital trauma care: a clinical review. Chirurgia (Bucur). 2012;107(5):564–70.
23. Lerner EB, Moscati RM. The golden hour: scientific fact or medical ‘urban legend’? Acad Emerg Med. 2001;8(7):758–60.
24. Nessen SC, Lounsbury DE, Hetz SP, editors. War surgery in Afghanistan and Iraq: a series of cases, 2003–2007. Washington (DC): Borden Institute; 2008.
25. Chatfield-Ball C, Boyle P, Autier P, Moore M, Sullivan R. Lessons learned from the casualties of war: battlefield medicine and its implication for global trauma care. J R Soc Med. 2015;108(3):93–100.
26. Barsoum RS. Chronic kidney disease in developing countries. N Engl J Med. 2006;354(10):997–9.
27. Kidney Disease: Improving Global Outcomes (KDIGO). KDIGO 2012 clinical practice guideline for the evaluation and management of chronic kidney disease. Kidney Int Suppl. 2013;3(1):1–150.
28. Sudan Police Omdurman Hospital. Hemodialysis center operational report. Omdurman: Police Hospital; 2023–2024.
29. Nollet KE, Ohto H, Yasuda H, Hasegawa A. The great east Japan earthquake of March 11, 2011, from the vantage point of blood banking and transfusion medicine. Transfus Med Rev. 2013;27(1):29–35.
30. World Health Organization. Blood and blood products. Geneva: WHO; 2023.
31. Management Sciences for Health. MDS-3: managing access to medicines and health technologies. 3rd ed. Arlington (VA): MSH; 2012.
32. Hogerzeil HV, Couper MR, Gray R. Guidelines for drug donations. BMJ. 1997;314(7091):737–40.
33. World Health Organization. A field guide for the assessment of emergency obstetric and neonatal care. Geneva: WHO; 2012.
34. Lengeler C. Insecticide-treated bed nets and curtains for preventing malaria. Cochrane Database Syst Rev. 2004;(2):CD000363.
35. Stuke L, Jennings A, Gunst M, Friese R, McIntyre R, Frankel H, et al. Effect of air evacuation on outcomes for casualties at forward combat surgical hospitals. J Trauma. 2008;65(6):1274–80.
36. Gerhardt RT, De Lorenzo RA, Oliver J, Holcomb JB, Pfaff JA. Out-of-hospital combat casualty care in the current war in Iraq. Ann Emerg Med. 2009;53(2):169–74.
37. Blackbourne LH, Baer DG, Eastridge BJ, Butler FK, Wenke JC, Hale RG, et al. Military medical revolution: prehospital combat casualty care. J Trauma Acute Care Surg. 2012;73(6 Suppl 5):S372–7.
38. River Nile State Government. Jakika Hospital establishment report. Atbara: River Nile State; 2023.
39. Jakika Hospital Administration. Annual report 2024. Jakika: Jakika Hospital; 2024.
40. Pfefferbaum B, North CS. Mental health and the Covid-19 pandemic. N Engl J Med. 2020;383(6):510–2.
41. Champion HR, Bellamy RF, Roberts CP, Leppaniemi A. A profile of combat injury. J Trauma. 2003;54(5 Suppl):S13–9.
42. Murray CK, Hinkle MK, Yun HC. History of infections associated with combat-related injuries. J Trauma. 2008;64(3 Suppl):S221–31.
43. Sundin EC, Hooberman J. Soldiers’ experience of morale and health care in armed conflict. Mil Med. 2009;174(2):153–7.
44. Hoge CW, Auchterlonie JL, Milliken CS. Mental health problems, use of mental health services, and attrition from military service after returning from deployment to Iraq or Afghanistan. JAMA. 2006;295(9):1023–32.
45. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. OCHA on message: humanitarian principles. New York: OCHA; 2012.
46. Inter-Agency Standing Committee. Reference module for cluster coordination at country level. Geneva: IASC; 2015.
47. Holcomb JB, Jenkins D, Rhee P, Johannigman J, Mahoney P, Mehta S, et al. Damage control resuscitation: directly addressing the early coagulopathy of trauma. J Trauma. 2007;62(2):307–10.
48. Winslow GR. Triage and justice. Berkeley (CA): University of California Press; 1982.
49. Spiegel PB. The humanitarian system is not just broke, but broken: recommendations for future humanitarian action. Lancet. 2017;390(10109):2295–7.
50. Khartoum State Ministry of Health Emergency Committee. Final report: health emergency committee operations April 2023–January 2025. Khartoum: MoH; 2025.
Dr.Mohammed Ibrahim Abdelrahman Yousif











