مقالات

.نجم الدين صالح يكتب:- السودان تطور البنية التحتية والازمة الاقتصادية

د.نجم الدين صالح يكتب:-

السودان تطور البنية
التحتية والازمة الاقتصادية

ظل السودان ومنذ بداية الاستعمار الانجليزي في اوائل القرن السابق أسيرا لواقع اقتصادي ولمستوى للبنية التحتية حسب التصور الاستعماري والذي اختزل الاقتصاد فيما كان هو في حاجة اليه في ذلك الزمن، وبالمقابل أنشأ مجتمعات مدنية محدوده وبنى لها بنيه تحتيه تلبي احتياجاتها فكانت تلك البنيه محدوده وبصرف حكومي محدود وموجهه فقط لتشغيلها متجاهلا الاتساع الجغرافي الواسع والغياب التام لهذه البنيه في اغلبية جغرافية شاسعه مستبعدا بذلك مجتمعات ومكونات سودانية في هذه الاماكن الشاسعه مما شكل مفارقه ضخمة وغبنا اجتماعيا وبالمقابل خلق ميزانا ايجابيا فيه فائض في ميزان الايرادات والمدفوعات وبرز ظاهرا بقيمة الجنيه السوداني المرتفعة ولكنه كل ذلك كان لا يعكس حجم الناتج الكلي الضعيف ولا حاله الفقر التي تعيشها اغلبية ساحقه من السودانين واستمر ذلك في العهد الاول للدولة الوطنية النخبوية التي كانت منعزلة عن الجموع الغفيرة للمجتمعات غير المدنية في حين كانت ذات موروث متداخل ومتماسك فيما بينها كنخب وهي التي في الاصل عبارة عن مجموعات مختارة من الادارة الاستعمارية البيرطانية من بعض سكان الخرطوم وبعض المدن ومن ابناء الاداره الاهلية واستمر هذا الحال حتى اخر الستينات حين قدم مواطن عسكري سوداني من خارج دائره النخب المختارة من الاستعمار البريطاني كرئس منقلب على السلطة المدنية النخبوية والذي اقبل على توسيع رقعه البنيه التحتيه في مناطق مختلفه عانت التهميش والنقص الحاد في الخدمات الامر الذي فاقم الازمة الاقتصاديه ودفعت بالمواطنين بالهجره خارج السودان..
وبتقديم التصورات الحسيه فان نظام الاستعمار الانجليزي الاقتصادي كان موجها لزراعة القطن كون بريطانيا العظمى وقتها مسيطره على صناعه الغزل والنسيج في العالم وكان احد اكبر موارد الدخل البريطاني حتى اوائل الاربعينيات وكان نظام تأسيس البنية التحتيه في السودان معمولا فقط للنخب في شكل انموزجات صغيره تقع في المدن والمناطق الحضرية الريفية الكبيره ولا يراعي ذلك المساحات الشاسعه للسودان ولا التوزيع الجغرافي للسكان مما خلق فجوه عميقة بين السودانيون أنفسهم واستمر هذا الحال حتى اواخر الستينات مع اختراقات بسيطه ابان حكم الفريق عبود. وبالمقابل لم تتعدى القوه العاملة في القطاع المدني والعسكري المائه الف مواطن سوداني بل هي اقل من ذلك بكثير. كل هذا عكس ويعكس ضعف البنيه التحتيه وقله الصرف الحكومي خلق هذا الفائض رغم ضعف الايرادات الحكومية والناتج الكلي بصفه عامه. ولقد كان لعمليه التوسع التي قام بها الرئس نميري حضورا شعبيا كبيرا على الرغم من ان الزيادة كانت لاتزال غير متناسبه مع حجم السكان الا انها نقلت الدوله السودانيه من نظام الكونتونات الانموزجية الي نظام وطني يمد يده بانتشار وتوزيع البنيه التحتيه لاقاليم مختلفه وقد صاحب ذلك زياده في استيعاب القوه العاملة الوظيفية الي الضعف كحد ادنى مما خلق فائضا سلبيا في ميزان الايرادات والمنصرفات وقد بدا واضحا في انخفاض قيمه الجنيه و مع وجود رصيد متراكم من الخريجين على مدى الخمسين سنة السابقه لحكم النميري مع وجود ضيق في ماعون الاستيعاب الحكومي مع تراجع الاقتصاد السوداني سببا كافيا لظهور موجات النزوح للعقول والايادي السودانية للمهجر والدول المجاوره التي كان قد انتعش اقتصادها.
كانت تجربة حكم الترابي اكبر نقله نوعيه حدثت في التاريخ السوداني، اذ استمر دخول ابناء غير النخب الاستعماريه في مراكز صياغه القرار السوداني والذين كانوا اكثر حماسا لتوسيع مواعين البنية التحتيه كونهم عانو التهميش والقصور في البنيه التحتية في مناطقهم ويبدو ان الدكتور الترابي اعد برنامجا اقتصاديا وسياسيا قبل انقلابهم المعروف بثوره الانقاذ وكان المشروع الاقتصادي الهادف لتوسعة المواعين الاقتصادية وزياده الدخل القومي وعلى الرغم من حجم المؤمرات الدوليه والاقليمية لاسقاط التجربه عبر سلسله من الحروب والاستنزاف الا انهم طبقو البرنامج الاقتصادي السياسي والذي استطاع ان يزيد البنيه التحتية للدوله السودانية اكثر من عشره اضعاف ما ورثته مما خلق زياده في استيعاب القوة العامله السودانيه لاكثر من 500% ليصل مجموع القوه العامله المدنيه والعسكريه ما يقارب التسعمائه الف مواطن سوداني.
وعلى الرغم من مضاعفه الايرادات لما يقارب 1000% عن ميزانيه اواخر الحكم الانجليزي الا ان حجم الزياده في البنية التحتيه والتوظيف الحكومي وتغير نمط الحياه الاستهلاكي كان ثمنا سلبيا على ميزان المدفوعات مقابل الايرادات مما انعكس على انخفاض قيمه الجنية السوداني، اضف الي ذلك الاستعداء الغربي للسودان عبر العقوبات الاقتصاديه لتحجيم حجم الاستثمار الدولي بالسودان وقد أدى ذلك لتدهور كثير من مشاريع البنيه التحتيه التى تعتمد على صيانه القطع الهندسيه أو أستبدالها أو تطويرها وأستجلاب غيرها كالسكك الحديديه والقطارات وقطاع النقل البحري والنقل النهري والطائرات وحتى مصانع الغزل والنسيج ومعامل الدواء بل وأستهدفت القوه العظمى السودان في جميع مشاريعه الرائدة تحت الأنشاء كمصنع الشفاء واليرموك والصافات بل وحشد ستة جيوش ضده وتمويلها لاسقاط الدولة السودانية عنوة مما اثر على الاقتصاد السوداني لتزداد قضيه الفقر ولتشمل شرائح المجتمع بعد ان كان الفقر حكرا على ابناء الاقاليم والمجتمعات غير الحضريه. ان الناظر بعين الرويه للتطورات التي حدثت خلال المائه عام السابقة يمكنه ان يرى حجم النقله النوعيه التي حدثت في بنيه الدولة السودانيه خلال فتره نظام الاسلاميين على الرغم من انتشار ظاهره الفساد وتحطيم جزء مقدر وكبير لنظام الخدمه المدنيه المنضبط. وعلى الرغم من ذلك يلحظ زياده حجم الفرص والحقوق التي قدمت لمواطني الولايات السودانية من زياده حجم البنيه التحتيه في مناطقهم وفي الاستيعاب الحكومي للتعليم والاستشفاء والتوظيف وانتقال مفاصل جزء مقدر للسلطه لايدي غير النخب التي تركها الاستعمار فيما يعرف سياسيا بتوزيع السلطه والثروه والذي هو بالاساس مشكلة الحكومات السابقه لما قبل الرئس نميري ولا يتحمل فيها نظام حكم البشير (الاسلامي )اي تبعيه.ففي فترة الأنقاذ كانت المؤسسه العسكريه متماسكه وقويه وقامت بتأسيس منظومة الصناعات الدفاعية وأسست الصافات ١ و ٢ وجياد الصناعية والمدن الصناعية وزادنا ١ و٢.
كما شيدت 78 كبرى يربط البلاد بنيت 287 مستشفى في الولايات وكانت قبل الانقاذ 9 فقط كما تم تنفيذ سياسه توزيع الخدمات في الاطراف وهي سياسة اداره صحيه عالميه متوافق عليها. وقبل الإنقاذ كانت الكهرباء في 15 مدينه فقط. وعدد اقل من الف قريه ولاتعم كامل المدينة الواحدة والإمداد الكهربائي مخصص بمتوسط 8 الي 14 ساعه ساعه في اليوم لكل مدينة وبعد الانقاذ وفي أقلها اصبحت ساعات الإمداد الكهربائي متوسطه 20 ساعه مخصصه َل 18 ولاية متوزعه على 33 مدينه 3486قرية بنسبه 78%”من التغطيه لم تتأثر الا بعد العام 2015. والتوسع في التعليم الجامعي بلغ ذروته بعدما ذادت المؤسسات التعليميه من 5 جامعات وكليتين إلى 63جامعه وكليه منها 41 حكوميه . كما تم انشاء مسالخ ذات مستوى كبير لتلبي مواصفات الصادرات كمسلخ الكدرو، وتم انشاء مصفاة الجيلي وجياد الصناعية. ان حجم الزيادة في القيمه الكليه المضاف لحجم اصول الدولة السودانية في باب البنيه التحتيه يتجاوز ال150 مليار دولار, وان هذا الامر هو الذي يجب ان ينظر اليه في ميزان التحقيق والتقصي لما يعرف بالتغيير في حجم النمو او التدهور في الاقتصاد السوداني ومن ثم يوزن مع الاخفاقات والأخطاء وسؤ الادارة وعندها سيبدو واضحا أن كفه الأنجازات الأقتصادية كبيره للغايه مقارنة مع كفه الاخفاقات والسياسات الخاطئة والممارسات الفاسدة. وهذا قطعا لايعني نجاح مطلق لا يحمل أخطاء جسيمة يمكن ان يدرسها الحادبون على تغير واقع السودان لتلافي الوقوع فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى